الّتي اخرج من كان فيها من المؤمنين ، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ، هو بيت القلب ، وهو من البيوت التي اذن اللّه ان ترفع ، ويذكر فيها اسمه ، يسبّح له فيها بالغدو والآصال . وقد نطق نصّ القرآن بكل هذه الأسامي له ، كما نطق بتلك الأسامي السالفة للنّفس .
وهذه القوى بأسرها (
b
61 ) اعراض لا بد لها من موضوع توضع فيه ، وحامل يحملها .
فاما موضوعها فهو الهيكل الحيوانىّ . وقد عرفت مواضعها من موضوعها ، فكلّها في الرأس ، إذ موضعها من البدن موضع قلة ناتية على قلعه عالية حرّاسها ، ينبغي أن تكون مشرفة عليها حفظا وصيانة لها ، أو كغرفة مبنية على عليّة عليّة . فكذا المدركات المركوزة في الجسد ، كلّها حراس البدن الذي هو كالقلعة العليّة ، فكذا ( م 40 پ ) ينبغي ان يكون مواضعها غرف قلّة الرأس .
ولذلك قالت الحكماء : الرأس صومعة الحواسّ ، الّا الحسّ اللمسي ، فانّه مثبوث في البدن كلّه ، لحكمة جليلة خفيّة على بصائر كليلة ، وهي ان اهمّ الحواسّ العشر في الحيوان هو اللمس . ولذلك يجوز وجوده دون الحواسّ العشر ، فان الحيوان لن يكون حيوانا الّا وقد انخلق فيه اللمس . وهو أول باب ينفتح (
a
62 ) لعالم الملكوت الجسمانىّ الحيوانىّ ، إذ هو الفاصل اوّلا بين الجسم الحىّ وبين الجسم النّباتى ، منه يبتدى ، وبالبدن الانساني ينتهى . واوّل حيوان خلقه اللّه في عالمنا هذا هو دودة حمراء قد تكون بيضاء كثيرا ما يقذفها السحب مع الأمطار والبرود ، لتكوّنها فيه بقوّة الطبيعة المسخّرة لامر بارئها ، عزّ كبرياؤه وتسرمد بقاؤه ، وتقع على وجه الأرض ليس لها إلا حاسة اللمس . بها تجذب الغذاء ، وتحسّ بالموذيات ، خلقت تلك لدوام حياتها مدة لائقة بتحصيل كمالاتها ، ( 28 ر ) إذ لكل امّة اجل مسمّى غير معين ، بل معمّى . فانظر إلى شمول عناية الخالق ، تعالى ، كيف صارت مصروفة إلى رعاية هذه الذرّة الحقيرة والبقّة الفقيرة ، حتى ما اهملها بعد الخلق والايجاد ، بل هدتها إلى جذب مصالحها ، ودفع مفاسدها . فسبحان الّذي اعطى كلّ شئ خلقه ثمّ هدى ، وما ترك الخلائق طرا هملا سدا . فلهذه الحكمة الجليلة لاولى البصائر وذي العبر والخبر الخفية (
b
62 ) على ابصار فاقدى الفكر والنظر ، أثبت الحاسّة اللامسة في البدن كلّها .