وانّما تسمّى هذه مصوّرة ، لانّها تصوّر الصّور وتخترعها جزافا من تلقاء نفسه . وهما في التجويف المقدّم من الدماغ المشترك في مقدّمه ، وخزانته في مؤخّرة .
الحسّ الثالث الوهم . ( م 38 ر ) وهو قوّة تدرك معاني غير محسوسة في أمور محسوسة ، كصداقة هذا الإنسان وعداوة ذاك ، وادراك الشاة معنى في الذئب حاملا له على الهرب ، وادراك الذئب معنى في الشاة حاملا له على الطلب .
وهذا في الحيوان كالحاكم المطلق بمثابة العقل في الانسان وليطلب (
a
58 ) التغلب والترؤس ومحبّة الجاه والحكم يتنازعان ابدا في الهيكل الانسي . لا في القالب الحيواني . لانّه ثمّ خال عن المزاحم والمعارض ، يحكم فيه بما شاء كما شاء ، يتمتّعون ويأكلون كما تأكل الانعام ، إشارة إلى قوم هم أسارى في يد الوهم الغاشم مغلولون بسلاسل علائق الأجساد ، مقرنون بالاغلال والأصفاد ، سرابيلهم من قطران ، شرابهم من عين آن ، وتغشى وجوههم النار ، لوّاحة ، لهم الشعار والدثار ، لما بينهما من المنافاة والمنافره والمكافاة والمناكرة في الماهيّة والفعل ممّا لا يخفى . فان الوهم قوّة جرمانيّة لا تدرك غير المعاني الجزئية الجرميّة ، والعقل قوّة روحانيّة تدرك الروحانيّات جمعاء بذاتها . والجزئيات الجسمانيّة بواسطة آلاتها .
فالوهم اذن يحسد لقصوره عنه في الذهاب إلى المطالب الحقّه ، وأعوذ بالله من شرّ حاسد إذا حسد . فكم (
b
58 ) من المطالب العالية مثل احياء العظام المالية ، العقل يصلحه ويحقّقه ، والوهم يفسده ولا يصدّقه ، فيعد ومع العقل في بر المحسوسات ( م 38 پ ) ويسبح سبحا في بحر معانيها . ( 26 پ ) فإذا سبق العقل ، وجاوز عالم المحسوس ، إذ هو المجلى في رحبة حلبة المعقولات ، والوهم هو المصلى في مضيق كعبة المحسوسات تبلّد حمار الوهم ، وجبن عن إصابة الفهم ، بل نكص على عقبيه ، والمرء باصغريه ، وقال : انى بريء منك ، انّى ما لا ترون ، كمثل الشّيطان إذ قال للانسان اكفر . فلمّا كفر ، قال : انى برى ، منك ، انى أخاف اللّه ربّ العالمين . وقد قرع سمعك وشتت جمعك بان في قديم العصر الذي كان الانسان في خسر ، جرت مشاجرة بين آدم وإبليس في الجنّة ، فحسده ، اخرجه منها . وكذا بين قابيل وهابيل أخوين من أولاد آدم إذ قربا قربانا ، فتقبّل من أحدهما ، ولم يتقبّل من الآخر ، فقتل