تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
عاد بالروح إلى أربابها * بقي الهيكل في الترب رميم
وفي هاتين البيتين إشارة إلى تفصيل نشأتى الانسان وتحصيل كلتى حالتيه : ( م 32 پ ) النشأة الصّغرى وهي الولادة ، والنشأة الكبرى ، وهي الموت . وهما المبدأ ، وهو تشبّث الرّوح بالبدن ، والمعاد ، وهو انسلاله عنه . فانّه كما أن البدن يلد من المشيمة ، فكذلك النّفس تلد من البدن ، إذ هو مشيمتها . ولذلك قال ، عليه السّلام : تصديقا لهذا المقال قاطعا مادّة شبه الخيال : ان الانسان لن يطالع عالم الملكوت حتى يلد ولادتين . وانّما كانت الأولى صغرى والثانية كبرى ، لان مدّة إقامة الروح مع البدن أقل بكثير من اقامته في البرزخ دونه ، بل لا نسبة لأحدهما إلى الآخر . واليهما أشارت صرائح القرآن في مواضع « 1 » حمّة ، نحو قوله : « ولقد علمتم النشأة الأولى » ، وقوله : « ثم اللّه ينشأ النشأة الآخرة » . ففي البيت الأول إشارة (
a
50 ) إلى تركيب ماهية الانسان من جزو ظلمانى ، وهو قوله : « هيكلى الجسم » ، وجزء روحاني ، وهو قوله : « نوري الصميم » ، وهو مبدأ حال الانسان . وفي البيت الثاني إشارة إلى انحلال التركيب بين الجزءين ، وحلول الفراق بينهما الذي يسمّى موتا ، وعود كلّ واحد من الجزءين إلى ما نشأ منه ، إذ كلّ شئ يرجع إلى أصله . اما عود الرّوح فإلى أربابها ، واما الهيكل الجسمانىّ فإلى التّراب . وهذا هو المعاد . فقد بان ان في البيتين إشارة إلى تحقيق النشأتين . وإذ قد عرفت ماهيّة الانسان فاعرف الآن قواه ، وهي جنوده وأعوانه ، لتعرف بذلك نفس النبات وعين الحيوان ، فان كليهما لا يمكن معرفتهما بذاتيهما ، إذ ليستا محسوستين وان كانتا جسميّتين ، بل انّما يمكن معرفتهما بواسطة الأفاعيل الصادرة منهما . وكذا كلّ موجود ( م 33 ر ) معقول ما عدا ( 23 ر ) النّفس الانسانيّة . فان كلّ واحد من النّاس يعرف نفسه بالذات ، لا بواسطة الصّفات ، (
b
50 ) ، فضلا عن الأقوال والافعال . فانّ النّفس تعرف ذاتها واسطة ، كما عرفت . فاذن الأفاعيل المحسوسة تدلّ على القوى ، والقوى على مدبّرهما ، وهو النّفس ، وهذا كالاستدلال بصنع الافعال على الصفات ، وبالصفات على الذات . ولا مسلك بعد هما لسالك ، ولا منسك لناسك ، وإذ هما خطوتان ، وقد وصلت ربوتان ، وقد علوت ، ثمّ دنوت ،
هامش
( 1 ) - س : خمسة .