لامر غير جسماني . وذلك نسمّيه نفسا ناطقة كما سمّاه القرآن نفسا مطمئنّة وروحا امريا .
فان قيل : لم لا يجوز ان يكون بعض الأجسام في غاية (
b
47 ) اللطافة ، فمن اجلها يكون درّاكا للأشياء ، وبعضها لم يبلغ تلك اللطافة ، فلا جرم لم يبلغ درجة الادراك قلنا : ما ذكرتم غير خارج عمّا ذكرنا من الترديد في البرهان . فان تلك اللطافة الموجبة للادراك ، والكثافة المانعة منه ، لا يخلو كل واحد منهما اما ان يكون جسما أو جسمانيّا أو زائد عليها ، وبطل القسمان الأولان ، فبقى الثالث ، وهو المطلوب .
فهذا هي البرهانيات .
واما الاقناعيات الخطابية فأكثر من أن تحصى . اما الآيات الواردة فكثيرة . منها قوله ، تعالى :
« وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي »
في حقّ آدم وأولاده ، وفي حق عيسى روح اللّه « وكلمته ألقاها إلى مريم وأخواته » . وهذه الإضافة ممّا ينبّه على شرف الجوهر الانسي ، وكونه شعلة قدسيّة عريّة عن الملابس الحسيّة .
واما الاخبار ، فقد قال عليه السّلام : « انا النذير العريان » . وهذا إشارة إلى تجرّد النّفس عن علائق الاجرام . وقال أيضا : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » . قال : « أعرفكم بنفسه (
a
48 ) أعرفكم بالله » فلو لم يكن بين النفس والربّ من المشابهة ما لم يكن بينها وبين الأجسام ، لما شرط هو ، عليه السّلام ، معرفة الرب بمعرفة النفس . وتلك المشابهة هي كونه جوهرا غير ذي مقدار وتجزية . ( م 31 پ ) وستعرف تمام هذه المشابهة فيما بعد . وقال أيضا :
« انّ اللّه خلق آدم على صورة الرحمن » . وقال : « وما خلق اللّه شيئا أشبه به من آدم » . وصورة كيفيّة هذه الصورة الّتي ( 22 ر ) هي راجعة إلى صورة الذات والصفات والافعال ، ستدرى عند تعديد تأثيرات النفوس الالهيّة . وقال أيضا : « أبيت عند ربّى يطعمني ويسقيني » .
فهذه الأحاديث الستّة ممّا تؤذن بشرف النفس وقربها من بارئها قربا بالذات والصفات مجرّدا عن علائق الاجرام وعوائق الأجسام .
وقال : روح اللّه المسيح الّذي مسح بالنّور المشرق من سرادق الملكوت ، وصقل بالضوء المبرق من سناء الجبروت : عليه السّلام : لا يصعد إلى السماء الا من نزل منها . وهذا الحديث (
b
48 ) شارح لقوله تعالى
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
.