تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
فان الجود والرجوع إلى مقام لا يمكن الا بعد المجيء منه . وقال أبو يزيد ، رضى اللّه عنه : طلبت ذاتي في الكونين . فما وجدتها . اى ما وجدت ذاتي في عالم الاجرام . وقال : انسلخت من جلدي ، فرأيت من انا . فسمّى الهيكل جلدا وقشرا . وهذا يصرّح بان النّفس الّتي هي اللّب غير الجلد الذي هو القشر . فالنّفس الحيّة الانسيّة متى لم تبلغ اهليّتها إلى مقام تنسلخ عن جلدها كلّ يوم ، مثل نفس الحيّة الوحشيّة الّتي تنسل عن اهابها كلّ عام ، فليست من الحكمة في شئ . وقيل : الصّوفى مع اللّه بلا مكان ، إشارة إلى تجرّد النّفس عن المكان للمعية مع من لا يحويه مكان ، فان ما مع غير ذي مكان ( م 32 ر ) لا يكون ذا مكان . وقيل : الصّوفى كائن بائن . اى النّفس موجود مجرّد عن المادّة . وقال الظاهريّون : الصّوفى كائن مع الحقّ ، بائن عن الخلق . وهذا المعنى من لوازم ما ذكرنا . إلى غير ذلك من مقالات (
a
49 ) هؤلاء الأكابر المجرّدين عن العلائق ، المتنزّهين عن العوائق ، حتى شهدوا ربّ الخلائق ممّا لا يستقصى . وكلمات هؤلاء الأفاضل في قوّة إفادة العلم القطعي بحقيقة النّفس اشدّ واسدّ من براهين أصحاب العقل . فانّهم شاهدوا عجائب أحوال النّفس وماهيّتها وغرائب آثارها وكيفيّتها بذوق العيان ، دون مزاحمة البرهان ووسيلة البيان . وكيف لا يكون أقوى ، والبرهان ابعد من النّفس لصاحبها ، إذ ليس شئ أقرب إلى الانسان من نفسه . فيكون معرفة النّفس نفسها مشاهدة ، وهي عين اليقين ، بل حق الحق . ومعرفتها بالدليل برهان وهي علم اليقين ، واين أحد هما من الآخر . ( 22 پ ) وإذا أمكن النّفس معرفة بذاتها دون واسطة البرهان ، فتكون توسّطه عبثا عديم الجدوى ، وقطعا لمسافة العدوي . وقال شيخ الإسلام قاطن دار السّلام حلاج الاسرار غواص بحار الافكار ، اقعده اللّه في مقعد الصدق ، حيث كان قدم الصّدق ، رضى اللّه عنه : « تبين ذاتي حيث لا اين » . وقال في شعر له : (
b
49 ) .
هيكلىّ الجسم نوري الصميم * صمدي الروح ديّان عليم
الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 45 | عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري