تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
حدّق بصيرة فؤادك ، وبرّق سويداء سوادك إلى هذا الرمز المرموز والسر المكنوز في قول ابن عباس ، رضى اللّه عنه ، لتفسير « ص والقرآن » : هو بحر بمكّة كان عليه عرش الرحمن ، إذ لا ارض ولا سماء ولا هواء ولا ماء . فالبحر الّذي قد يسمى الوادي المقدّس والبقعة المباركة الموسوية ، هو الرّوح المحمّدى . إذ هو (
a
44 ) بحر ذاخر وحبر فاخر ، يروى منه ظمأ حرارة الغرارة وعطاش برودة الجمودة ، ويملئون الأباريق والأكواب من معينه ، والحوض الكوثر أحد عيونه ، ومكّة هي حظيرة القدس الّذي هو حرم آمن ، يجبى اليه ثمرات كل شئ ورزقا من لدنا ، ولكنّ أكثرهم لا يعلمون ، فمن دخله كان آمنا ، وعرش الرّحمن الّذي عليه هو جبريل المستولى على الروح المحمّدى بالقوّة الشّديدة ، ولا خراجه من القوّة إلى الفعل باستكماله بالعلم والعمل . هو أول بيت وضع ( م 29 ر ) للنّاس . إذ روح القدس قد سبق عالم الحسّ بألفي عام ، حيث أشار النبي الأميّ اليه حيث قال ، عليه السّلام : خلق اللّه الأرواح قبل الأجساد بألفي عام . اى بين عالم الامر الّذي هو واحد كلمح البصر ، وبين عالم الخلق الّذي هو في أقصى رتب البعد عن منبع الجود ، عالمان : عالم العقل ، وعالم النّفس . وفيه مقام إبراهيم ، مقام التّوحيد الذي قال : « وجّهت وجهي للّذى فطر السّماوات والأرض حنيفا » . (
b
44 ) ومن دخل هذا المقام متصدّقا بتصديق هذا الكلام ، فقد امن غوائل الشرك ، ونجا من عذاب الكفر والشك ، إذ هو حصن اللّه على ما قال ، تعالى : لا إله الّا اللّه حصني ، من دخل حصني امن عذابي . فهذا هو طريق محجة الحجّ الأكبر ، والحجّة على أهل المدر والوبر . فقد اذنت في الناس رجال ونساء بالحج ليأتون رجالا وركبانا من كلّ فجّ . فمن احرم إلى كعبة الجلال ، وولّى وجهه شطر مسجد الجمال في جميع عمره بعمرة أو حجّ ، ولبّى في حماطة قلبه بزفير وعجّ بترك أقارب القوى وأوطانها ، وقطع علائق اشطانها ، فقد خرج من بيته مهاجر إلى اللّه ( 20 پ ) ورسوله . وإذا ادركه الموت ، فقد وقع اجره على اللّه . وما تدرى نفس باي ارض تموت ، فاهجرهم هجرا جميلا ، وتبتّل اليه تبتيلا . فالهجرة ان تهجر عمّا نهى اللّه ، وترفض كل ما سواه عن حرم قلبك وتقبل بكليتك على ربّك . ثمّ شرع في جوف هذه العقبات (
a
45 ) والمنازل وأتى على هذه الموارد والمناهل ( م 29 پ ) ، ووصل إلى المقام المحمود ، وشرب من ماء زمزم