على صراط صورة الحيوان وهو الصراط المعوجّ الف عام ، وعلى صراط صورة الانسان وهو الصراط ( 17 پ ) المستقيم الف عام . وكلّ هذه السّبل جسور ممدودة على جهنّم عالم الكون والفساد المملو من عداوة التضاد ، على ما نطق به الحديث المروىّ عن منبع الصدق ومعدن الحقّ ، عليه السّلام : ان جهنّم في الأرض والجنّة في السّماء .
فاذن بسائط العناصر جمادات غير حيّة ولا درّاكة ، الا مركّباتها بحسب الاعتدال .
فإذا أزال الاعتدال ؛ زالت الحياة وانحل التّركيب ، وهو الموت . ولهذا قيل لعالمنا هذا عالم الموت والفساد [ والفناء ] ، وقال اللّه تعالى تنبيها على هذه الدقيقة لرسوله ، عليه السّلام ، والنّاس أجمعين : انّك ميت وانهم ميتون ، (
b
38 ) على طريق تسمية الشّىء بما سيئول اليه ، إذ كلّ ما هو آت قريب .
وامّا بسائط الأفلاك ، فلها الحياة الدّائمة والاجرام القائمة إلى أن يرث اللّه الأرض والسّماء ومن عليها ، الا ترى إلى قوله ، وصفا لنفوس السّعداء والأشقياء في درجات الجنّات ودركات السّافلات بالخلود والدوام : « خالدين فيها ما دامت السّماوات والأرض ، الا ما شاء ربّك » . استثنى عن الدوام والخلود بالمشية ، فان حركات الأفلاك سيئول إلى فناء وفتور وهلاك وقصور ، وان بقيت دهرا مديدا وأمدا بعيدا ، لشرفها ونورانيّتها وثبات صورها وانانيّتها ولا تركيب ثمّ . إذ لا حاجة اليه ، فلا موت لها ، ولهذا قيل : لا . ( م 25 پ ) موت في عالم الأثير ، وان الدار الآخرة لهى الحيوان ، لو كانوا يعملون .
وانا اتعجّب كل العجب ممن يتعجّب لعجبه من هذا البحث الصّحيح القويم الجاري على نهج الصراط المستقيم ، ويقول في نفسه : كيف يكون الأفلاك احياء ناطقة عاقلة مطيعة (
a
39 ) ولا رأس له ولا ذنب ولا شهوة ولا غضب ولا حواسّ ظاهرة وباطنة ولا قوى طبيعيّة بارزة وكامنة : فان هذا المسكين المذبوح بلا سكّين قتيل سيوف العبارات طعين ذواابل الإشارات ، ما شاهد الحيوانات الارضيّة إلا ذوات الرؤوس والأذناب من الكلاب والذئاب ، ولم يتوهّم نفسه الا هذا الهيكل المشكّل المصوّر المنوّر ذا الرأس والذنب والشهوة والغضب ؛ ولم يدر ان هذه الأوصاف والقوى والأعضاء والشوى غير داخلة في مفهوم الحىّ الدراك ، وان كانت غير خارجة عن معنى الحيوان الجسمىّ .