تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
الفلكي ، فكذلك ، لان المحيط محيط بالقياس إلى المركز . اما إذا فرضنا الجسم المحدّد الفوق والتحت محيطا ، تعين المحيط والمركز كلاهما . اما المحيط فبالذات ، واما المركز فبالعرضى والقصد اللازمى . ومن هذا يظهران المحيط يوجد وجود المركز معينا ، اما المركز فلا يوجد وجوده أصلا ، ولا يعينه أيضا ، لجواز وقوع دواير غير متناهية بالقوّة على نقطة واحدة . فافهم من هذا ان خلق السّماوات كان قبل خلق الأرض ، كما أن ابداع العقول كان قبل ابداع النفوس . لان الابداع وهو القضاء والامر ، يجب ان يكون سابقا على الصنع ، وهو القدر (
b
32 ) والخلق ، سبقيّة صافية عن غبار الزمان ، عارية عن كسوة المكان . ولهذا المعنى قدم اللّه ، سبحانه وتعالى ، ذكر خلق السّماوات على ذكر خلق الأرض ، في جميع المواضع ، وجرّبه في نفسك . وامّا ( م 21 پ ) تقدّم الخلق على الامر في قوله : « الاله الخلق والامر » . وفي قوله في حق عيسى : « خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون » ، وفي غير هذا ، فذلك انّما ذكر لتفهيمه ايّانا . فان من أراد ان يشعل فتيلة ، فلا بدّ أولا من خرقة ودهن وتدهينها ، ثم بعد ذلك تشبث النار بها . فافهم من هذا تعلق الأرواح بالأجساد ، مع التصديق بقول النبي ، عليه السلام : « خلق اللّه الأرواح قبل الأجساد بألفي عام » . فالأرواح قبل الأجساد ، وتسويتها في الوجود وفي العلم السابق الأزلي . الا ترى إلى قوله ، تعالى :
« عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ »
في جميع المواضع فلو كان عالم الشهادة قبل عالم الغيب ، لكان ينبغي ان يقول عالم الشهادة ( 15 ر ) والغيب . [ اى عالم يشاهد لم ينطبع في النفس ] . فالعلم وان كان على (
a
33 ) وفق المعلوم في الشاهد ، اما العلم الأزلي فالمعلوم على وفقه . إذ الموجودات كلّها صنعه وابداعه ، فأولا يعلم ، ثمّ يصنع ، فمعلوماته على وفق علمه يصدر ، فعلمه متبوع المطبوعات وينبوع المصنوعات ، لا تابعها . ويسمى هذا العلم علما فعليا . ولهذا قال ، تعالى :
« وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ »
. واما علمنا فمستفاد من وجود الأشياء ورؤيتها ، ويسمّى انفعاليا . فلهذا جاز تغيّر علمنا بحسب تغيّر المعلومات . فامّا علمه فيستحيل تغيّره ، لانّه غير تابع ، بل تغير الأشياء بسبب علمه بالتغير ، لا لتغير علمه . فقد لاح ان عالم الغيب ، و