بل لا بد للطّبع من شئ آخر معه . فاذن الطّبع أعم من الطّبيعة الّتي هي أعم من الخاصيّة .
فان من الطبع تأثيرا فقط ، سواء كان مع شعور أولا مع شعوره . واما الطبيعة ، فهي الّتي تأثيرها بلا شعور . ولذلك يقال : الحيوانات مسخّرة لافعالها بالطّبع ، ولا يقال :
بالطّبيعة ، اللهم الا مجازا . ( 11 ر ) ويقال الجمادات ( م 16 پ ) مسخّرة لافعالها بالطّبيعة ولا (
b
24 ) يقال بالطبع الا مجازا . واما الخاصّىّ فاخصّ من الكلّ . فاوّلا طبع ، ثمّ طبيعة ، ثمّ خاصيّة ، فامر غير معلوم .
ولما كان الجسم لا بدّ له من مكان ، ويلتحق لنسبته هيئة لنسبة اجزائه بعضها إلى بعض ، ونسبة اجزائه إلى الأمور الخارجة عنه ، وتسمّى تلك الهيئة وضعا ، وهو من الامّهات العوالي كما عرفت . فتاثيره في غيره لا يمكن الا بواسطة الوضع ومشاركته ، وهي لا يخلو من أوجه ثلثه :
أحدها وهي أقربها ، الملاقاة ، كالنار تحرق ما يلاقيها ممّا يقبل اثرها .
وابعدها المقابلة ، كالنير يضيء ما يقابل بواسطة جسم شفاف غير حائل عن نوره .
وأوسطها المجاورة ، كالنار تسخن الماء وغيره بالمجاورة .
ثمّ الحرارة تنبعث في عالمنا هذا ، وتنبثّ خلال جزئياته بواسطة أمور ثلاثة :
أحدها بواسطة جسم حارّ طبعا . إذ لو كان حرارة كلّ جسم انّما تحصل بجسم آخر لتسلسلت (
a
25 ) الأجسام ذاهبة إلى ما لا يقف ، أو يرجع ويدور ، وهما محالان ، على ما ستعرف . بل لا بد من الانتهاء إلى جسم حارّ طبعا ، وذلك الجسم ليس الا النار فقط .
الواسطة الثانية الحركة فإنها تعدّ الجسم للسخونة . وهي قضيّة مجرّبة تجربة قاطعة لسهام الأوهام . فان الماء الجاري مع برودته طبعا اقلّ بردا من الراكد . وحكّ الأجسام الصّلبة وثقبها بالمثاقب يورث تسخّنا فيها بحيث تحرق ما يلاقيها من المستعدات له . وقد شوهد هذا غير مرار . فاحدس من هذا ان ليس يجب ان يكون الأثر في ( م 17 ر ) الأكثر من جنس المؤثر . إذ الحرارة اثر الحركة ، وأحد هما ليس من جنس الآخر ولا من نوعه . فان الحرارة من باب الكيف ، والحركة فصل شام للكم والكيف والأين والوضع وغيرها فأين أحد البابين من الآخر .