الاعتبار يسمّى الشرع سمعا . أو نعقل من تلقاء عقولنا (
a
14 ) ومن عند أنفسنا ، ما كنا في أصحاب السعير . وانما قدّم ( م 10 ر ) السّمع على العقل ، لانّ كافّة الناس تصديقاتهم وتصوّراتهم مقتبسة من مشكاة الشّرع . فامّا أولو النّهى وأرباب - الباب فقليل ما هم ، وقليل من عبادي الشكور . فمن يطبق معقوله على محسوسه ، فقد خاب وخسر ، إذ ترك اللّب ، واخذ بالقشر . فكم من باطل ، مسموع مشهور مقبول عند الجمهور . ومن يطبق مسموعه على معقوله ؛ فقد نجا وأفلح ، إذ ترك القشر واخذ باللّب . فكم من حقّ معقول ، مردود عند أصحاب المنقول . وإلى الفريقين الإشارة بقوله ، تعالى :
« أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى ، أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
. وكلّ من قصر عن ادراك هذا الجوهر المعقول ؛ فانّما قصر لقصور عقله عن فهمه ، واقتصاره على ادراك المحسوسات لا غير . والا ، فلو جاوز عالم المحسوس ، واخذ بعنان الطّبع الشموس ؛ ما كان يتأتّى منه الانكار ، ولا يتمرّد على اظهار الاصرار الا ان يسلّط اللّه ، تعالى ، شيطان (
b
14 ) وهمه على سلطان عقله وفهمه ، فحينئذ يعلم في عقله وبجهل من جهة وهمه ، فيقر باطنا ، ويجحد ظاهرا . وصاحب مثل هذا الاعتقاد يسمى جاحدا ، كما كان حال أبى طالب القرشي حيث قال في شعر له :
ولقد علمت بان دين محمّد * من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبّة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا
وكم من شخص جاحد يعتقد اعتقاد أبى جهل ، إذ كان هو منكرا لا جاحدا ، ويظن اعتقاده اعتقاد محمّد رسول اللّه ، خير البشر وأبى بكر وعمر وعثمان وحيدر رضى اللّه عنهم ورضوا عنه . هو لا يدرى بأنه لا يدرى ، بل يظن انّه يدرى ، حتى إذا بعثر ما في القبور وحصّل ما في الصّدور ، فينبّئه مثل كبير خبير حليم عليم . ولكن لما كان قوله تعالى اعتذر عن هؤلاء ( م 10 پ ) أصحاب السّعير ، بقوله لرسوله ، عليه السّلام : « انّك لا تهدى من أحببت ، ولكن اللّه يهدى من يشاء ، وانّك لا تسمع الموتى ، ولا تسمع الصّمّ الدّعاء ، إذا ولّوا مدبرين ، وما أنت بهادى العمى عن