آخر الامر ببدن الانسان ولا يزال بدنه يتزيّد ويتقى ويتمحّض ويتصفّى ، حتّى انتهى بروحه الّتي في الجانب الأيسر من القلب وفلك الرّوح الحيواني يشابه جرم الفلك من جهة صفائه ونقائه ونوره وضيائه وبعده عن التضادّ المنشإ (
b
7 ) للفساد ، فيصير ( الروح ) مرآة للنفس النّاطقة . بهما يدرك الوجود كلّه على هيئته ونقشه وصورته ورقشه كليّا وجزويّا .
امّا كلياته ففي ذاتها المجرّدة ، وامّا جزئيّاته ففي تلك المرآة الجليّة الآليّة .
لأنّ الكلّيّ عار عن الغواشي ، فلا يحلّ الّا النفس الّتي هي النذير العريان . وامّا الجزئي فهو كأس ، غواشى العوارض ، فلا يطمئنّ الّا على ما يحيط به الأعيان . فاذن في الانسان شئ كالملك وشئ كالفلك ، فصار بهذين الاعتبارين مغرب العالمين ومنتهى الإقليمين ، فسمّى ذا القوتين لأنّه ملك القبلتين ومالك القبيلتين ، اما القبلتان فالجسمانيّة والرّوحانيّة ، وامّا القبيلتان فالجنّ والإنس .
فانظر إلى اتقان حكمة المبدع ، كيف بدأ بالوجود من الأشرف فالأشرف ، حتّى اختتم بالجسم ، وافتتح بالاخسّ حتى انتهى بالأرض . ثم فتح فاتحة أخرى للإخلاص بتذهيب ذهب الخلاص ، وعكس هذا الترتيب ( م 6 ر ) الاوّل بالشريف فالأشرف ، حتّى بلغ النفس النبويّة القدسيّة (
a
8 ) الّتي تشبه العقل الاوّل الّذي هو الامر الاوّل .
وقال فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه : « اوّل ما خلق اللّه العقل » . والرّوح البشريّة الّتي تشبه الملك الأوّل ( 4 ر ) الّذي هو أوّل ما خلقه اللّه من الأجسام ، وإلى اللّه ترجع الأمور أي عالم الأجسام ، وانّ إلى ربّك المنتهى اى عالم الأرواح .
القطب الأول وهو الذي يليه إقليم الجسمانيات
ولمّا كانت الجسمانيّات مفتّنه إلى عنصرىّ وفلكىّ ، لا جرم انفتح لهذا الإقليم بابان .
تمهيد مقدّمة جامعة لاقسام الوجود كلّها امام البابين . فأقول : اغنى الأغنياء عن التعريف ماهيّة الوجود ، إذ لا شئ أوضح منه حتى يعرّف به ، وهو لوضوحه قد احتجب عن بصائر الأكثرين ، وحارت فيه أفكار الاوّلين والآخرين ، والشئ إذا جاوز