وحلّ حريم خاصّه وعامّه ، المؤمن عن كوافر بوائق الزمان ونوايبه ، وفواجر طوارق - الحدثان ومتاعبه ؛ استراح من عساكر طغاة الهموم ، ونجا من جيوش بغاة الهموم ، لا زالت العناية الفياضة جايدة بمثل وجوده ، والهداية الأزلية قائدة إلى منبع جوده .
وها انا ذا آلف إلى اصدار شئ من عيون [
b
4 ] علوم الحقائق مرشّحا بأنواع الدّقائق ، ليتشرّف بمطالعته العليّة ، وينظر بعين الرّضا فيما بين تلك المعاهد الخفيّة والجليّة .
فأقول : الفلسفة لغة يونانيّة معناها حبّ الحكمة ، والفيلسوف لغة مركّبة من فيلا وسوفا ، فيلا هو المحبّ ، وسوفا هو الحكمة ، اى هو محبّ الحكمة .
حدّ الحكمة ، استكمال النفس الانسانية بمعرفة حقايق الموجودات على ما هي عليها ، والحكم بوجودها وهويّاتها تحقيقا بالبراهين ، لا اخذا بالتقليد ، من غير استناد إلى برهان ، على قدر الطّاقة الانسانيّة ، إذ لا يكلّف اللّه نفسا الّا وسعها .
ولمّا جاء الانسان كالمعجون من خلطين نفس لطيفة ، وبدن كثيف ، لا جرم افتنّت الحكمة بحسب حاملها إلى فنّين : نفسانية نظرية ، وجسمانيّة عمليّة .
امّا النّفسانيّة القوليّة فهي انتقاش صورة الوجود كلّه على نظامه بكماله وتمامه في النفس البشريّة ، كما ينتقش الصورة المرئيّة في المرآة ، وهذا الفن من الحكمة [
h
5 ] هو - المطلوب ( م 4 ر ) للنبىّ ، عليه السّلام ، المسؤول في دعائه ، حيث قال : « أرنا - الأشياء كما هي » . وللخليل أيضا حين سال : ( 2 پ ) ربّ هب لي حكما والحكم هو - التصديق بوجود الأشياء ، وانّما خصّص بالدّعاء التصديق دون التصوّر ، لانّ التصوّر داخل في التصديق دخول الجزء في الكل . ومتى كان الكلّ مسؤولا ، كان جزؤه مسؤولا لا محالة .
وامّا الجسمانيّة الفعليّة فهي مباشرة عمل الخير ، وما ينبغي ان يكون الانسان عليه ، ليكون أفضل في أحواله كلّها . وإلى هذا الفنّ أشار بقوله ، عليه السّلام :
تخلّقوا باخلاق اللّه . واستدعى الخليل ، عليه السّلام ، على ما قال : والحقنى بالصّالحين . وإلى فنّى الحكمة كليهما رمزت الفلاسفة الالهيّون ، حيث قالوا تأسّيا بالأنبياء ، عليهم السّلم : الفلسفة هي التشبّه بالاله بحسب الطّاقة البشريّة .