ثم لا يخفى شرف الحكمة من جهات عدّة :
منها انها صارت سببا لوجود الأشياء على الوجه الأكمل والاتمّ والأحسن (
b
5 ) والاعمّ ، بل صارت سببا لنفس الوجود . إذ ما لم يعرف الوجود على ما هو عليه ، لا يمكن ايجاده وايلاده . والوجود خير محض ، ولا شرف الّا في الخير الوجودىّ المحض ، ولا خير الّا في شرف المحض الوجودي . وهذا المعنى مرموز في قوله ، تعالى
« وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ، فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً »
. وبهذا الاعتبار سمّى اللّه ، تعالى ، نفسه حكيما في مواضع شتّى من كتابه المجيد الّذي هو تنزيل من حكيم حميد . وهو من أسمائه العظام . وسمّى أيضا كتابه الكريم حكيما في معرض القسم لا ثبات الرّساله في قوله :
« يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ » .
( م 4 پ ) ووصف أنبياءه وأولياءه بالحكمة ، وسمّاهم ربانيّين حكماء بحقايق الهويّات علماء ، فقال :
« وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ، لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ »
، وقال خصوصا في شأن لقمان :
« وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ »
. كل ذلك في سياق الامتنان ومعرض الاحسان . ولا معنى للحكيم الّا الموصوف بالحكمة المذكورة حدّها ، الّتي لا يستطاع ردّها ، ومن الظّاهران ليس في الوجود (
a
6 ) اشرف من ذات المعبود وكتبه ورسله الهداة إلى أوضح سبله .
وكلّا من هؤلاء وصف هو سبحانه بالحكمة فقد انجلى وجه شرف الحكمة ومجدها ، فيجب اذن انتهاج ( 3 ر ) معالم غورها ونجدها من هذا الوجه .
فلنأت على إهداء تحف وإسداء طرف منها بقدر ما يتأتّى ، وجمع شمل متفرّقات شتّى . فانّ مفاتيح الفضل بيد اللّه ، يؤتيه من يشاء ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .
وقد اشرب عقلي انّ علم الحكمة مرتّب على فنّين :
أحدهما الكشف عن ماهيّة العالم واقسامه من اعراضه واجسامه .
والثاني الكشف عن سبب وجوده من صفات ذاته وجوده .
الفنّ الاوّل الفنّ الاوّل وهو يدور على قطبين :
أحد هما القطب الجنوبىّ الّذي يليه إقليم الروحانيّات وهو عالم الغيب والملكوت ، اعني المعقولات الباقية ، المعنيّة بقوله ، تعالى :
« وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ