تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
صار منها ، كما قيل كلّ شئ ( م 127 پ ) يرجع إلى أصله . ومعرفة المعاد من معرفة الأمور النّسبيّة التي لا يمكن تعقّلها الا بالقياس إلى غيره . وذلك انّ الأمور على قسمين : منهما ما هو امر حقيقىّ يمكن تعقّله من حيث هو هو بلا التفات إلى غيره ، مثل السماء والأرض والنبات والحيوان والانسان ، وعلى الجملة جميع الأمور القائمة بأنفسها . ومنها ما هو امر إضافي ، لا يمكن تعقّله بلا التفات إلى غير خارج عنه ، مثل أكثر الاعراض كالابوّة والبنوّة ، والعلم والقدرة والفوق والتحت والسّعادة والشقاوة . وعلى الجملة جنسان من أجناس الاعراض الكمّ والكيف (
a
192 ) خارجان عنه ، إذ يمكن تعقّلها دون الالتفات إلى خارج ، بخلاف الباقيات من الأجناس العالية كما عرفتها ، ومعرفة المعاد منها . فكذلك معرفته يستدعى معرفة أمور ثلاثة : ماله المعاد ، وما منه المعاد ، وما اليه المعاد . وامّا ما اليه المعاد ، فذلك ينقسم بحسب ما له المعاد : امّا عالم الروحانيّات للأرواح العقلية ، واما عالم الأفلاك للأرواح الجسميّة . ومن هذا يعلم أن الأرواح العالية وهي الملائكة ( 82 ر ) والأفلاك ، وهي هياكلها وأجسادها ، كلّ واحد منهما لا معاد له ، اى ليس له عالم آخر وراءه يرجع اليه . والّا يلزم وجود عوالم لا نهاية لها ، وقد برهن على امتناعه . فاذن عالم العقول والأفلاك هو عالم المعاد ، ولا معاد ولا مرجع لهما ، الا ما شاء اللّه ان يخرّبها ويستأنف لها خلقا جديدا . وامّا ما منه المعاد ، فهو عالم العنصر لا غير . وذلك (
b
192 ) لان الغاية في المعاد استكمال ( م 128 ر ) أحوال النّفوس والأرواح بنيل السّعادة اللائقة بكلّ واحد منهما . وذلك انّما يكون باعطاء كلّ ذي حقّ حقّه من احسان المحسن بمثله عشرة أمثال . والسرّ في تضعيف الواحد بالعشرة في باب الاحسان ، هو ان القوّة الفاعلة في الانسان ليس الا القوّة الناطقة النورانيّة ، كما أشار اليه بقوله :
« فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ »
، مع مزاحمة عشر من القوى الكافرة الظالمة التي ثمان منها هي القوى الطبيعيّة الخادمة والمخدومة ، واثنان منها هما الشّهوة والغضب اللّتان من خواص الحيوان . فمتى أحسن الانسان احسانا واحدا ، فكأنه غلب على عشرة أنفس من الفجرة . فلهذا استحق باحسان
الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 173 | عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري