تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
مفطر اوّل ما يأكل ، وتقول العرب « هذه ركيّة فطرها أبى » ، يعنى هو اوّل من نثلها . ولا شكّ ان الواجب هو الّذي شقّ جيب العدم واستخرج خباياه بابر اشعّة القدم . « البديع » هو الّذي صنعه بلا آلة . وهذا له خاصة ، إذ الأداة والآلات كلّها من صنائعه . فهو قد ابدع الأشياء بلا آلة ، واخترع الانشاء دون (
a
186 ) علة . وكيف [ لا ] ولو افتقر هو تعالى في ايجاد الأشياء إلى آلة ، لافتقرت الآلة والاله كلاهما في ايجادها إلى آلة أخرى ، وتمتدّ سلسلة الوجود ذاهبة إلى غير غاية ، متقدّمة على وجود اوّل موجود ، لكن هذا مما لا يشكّ في كذبه . والفرق بين الصانع والبديع ، ان البديع فعله غير زماني ولا مكاني ، والصانع فعله لا يخلو عنهما . فهو ، تعالى ، بديع بالنسبة إلى العقول والنّفوس والأجسام بسائطها . واما بالنسبة إلى ( 79 پ ) مركّباتها ، فهو صانع . فالصّنع هو ايجاد شئ عن شئ ، والابداع هو ايجاد شئ لا عن شئ . ولذلك قال ، تعالى :
« بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
. إذ السّماوات والأرض بسائط خلقت لا من أجسام اخر ، هي اجزاء السّماوات والأرض ، كالمركّبات . بل أبدعها من ( م 124 ر ) محض نور عزّته ، والا لافتقرت تلك الأجزاء المخلوقة منها السّماوات والأرض إلى اجزاء اخر فوقها ، ولزم التسلسل . ومن هذا يظهر انّ (
b
186 ) خلق البسائط أكبر وأعظم وادلّ على قوّة القدرة من خلق المركّبات ، من حيث انّها غير مسبوقة بمادة أو مكان لها ، دون المركّبات . فلهذا الدقيقة رمز القرآن بقوله :
« لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ »
انّه كذلك . « الاحد » هو مبالغة في الوحدة ، وهي يقال على وجوه عدّة : يقال واحد بالجنس للانسان والفرس ، وواحد بالنوع لشخصين من نوع واحد ، وواحد بالكمّ لخطّين متساويين ، وواحد بالشخص لكل عين من الأعيان ، وواحد بالعدد ، وواحد بالذات لشئ لا جزء له . كالنقطة والجوهر الفرد . وهذه كلّها أنواع المجازات ، وان كان بعضها احقّ بالحقيقة من البعض على التّرتيب الذي ذكرناه . فكل ما هو ابسط فهو احقّ باسم الواحد ممّا دونه في البساطة . فالاحد المطلق هو