القدر من المبالغة . والراحم اقلّ من الكلّ . بل لو حصل منه أصغر موجود من الذرّات ، وكما وجد فنى ، يصدق عليه انه راحم . وهذا كما يقال لمن تعلّم مسئلة ونسيها من فوره ؛ فيقال له : « عالم » قولا حقيقيّا . وذلك لأنه على وزن « فاعل » ، والفاعل يصدق على كلّ من صدر عنه امر ما ، ولو كان سلبيّا . بل العرب يطلق على المستعدّ له استعدادا قريبا أو بعيدا ، كما يطلق على البذر « النبات » ، وعلى النطفة « الحيوان » ، وعلى (
b
181 ) الخمر « المسكر » ، وهو في الدنّ ، لتهيئته « 1 » لصدور الفعل عنه . وهذه الأسامي على أوزان « ندمان ونديم ونادم ، وعلّام وعليم وعالم » .
ولما كانت العوالم ثلاثة : عقل ونفس وجسم ، وقد أفاض جود عين الوجود ( 77 پ ) ومنبع الخير والرّحمة على كلّ واحد الوجود ، لكن على التفاوت تاما وناقصا بحسب استعداده ، ووهب لكلّ منها ما يليق به من الخيرات والكمالات المتفاوتة شرفا وخسّة ، الّا ما يتعلّق بكسب المخلوق ، فان الخالق كيف يصوم ويصلى لمخلوقه حتى يتمّ خلقه ، ويصل إلى سعادته ، والمعبود كيف ينقلب عبدا لعبده ليقرب من عبده ، هذه وسوسة شبيهة بداء القطرب ، غير ( م 121 ر ) قابلة للعلاج ، الا من شاء اللّه ، فالعقل اشرف وجودا ذاتا وصفة ، والجسم اخسّها ، والنّفس أوسطها ، فلا جرم اشتق له بالنسبة إلى هذه العوالم اسام ثلاثة متفاوتة في قوّة المبالغة وضعفها ، بحسب تفاوت المعاني الموجودة في العوالم ، فهو تعالى « رحمن » بالقياس إلى (
a
182 ) عالم العقل ، إذ لا يمكن في الوجود اشرف منه ، و « رحيم » بالنسبة إلى عالم النفس ، إذ هو متوسط ، و « راحم » بالإضافة إلى عالم الجسم . وهو اخس .
وانما خصّص الاسمين بالذكر في قوله :
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ »
، دون الثالث ، لان السلطان الأعظم لا يجوز ذكره مدحا وتعظيما واجلالا وتبجيلا للتبرّك والتيمّن بذكر اخسّ خدمه وأدنى حواشيه وحشمه ، إذ الجسم واقع على حاشية الوجود ، نازل في صفّ نعال مجلس الوجود ، مقابلا للواجب المتمكّن من دست صدره ، مستعليا على شمسه وبدره ، بل الاخسّ يتبع الأشرف ذكره .
وانما قال : « بسم اللّه » ، ولم يقل : « بالله » ، لان العقول تقصر عن معرفة الذات ،
هامش
( 1 ) - م ر : لتهيئه .