تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
إلى الأفلاك المحيطة بها ، المحاطة لجرم الكل ، المقهور تحت أيدي النفوس ، المطموسة تحت اشعّة العقول ، الأسيرة في قبضة الرحمن ، ولا نسبة له إلى جناب الكبرياء الباهر برهانه على الضياء . فاذن تصور ذرّة الشرّ في بحر اشعّة شمس العظمة لا يضرّها ، بل يزيدها بهاء وجمالا وضياء وكمالا . كالشامة السّوداء على الصورة المليحة البيضاء ، يزيدها حسنا وملاحة واشراقا وصباحة . سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون من قصور قدرته عن الافعال ، وفتور فعله (
a
177 ) من تصوير الأمثال والاشكال ، وجلّ جناب السلطنة عن أمثال هذا الخيال . فقد لاح انّ الخير افعاله بالقصد الاوّل ، والشّرور داخلة في فعله بالقصد الثاني ( 75 پ ) والتّبع ، فلا يستدعى فاعلا آخر بتّة ، بل الخير ذاتيّ له مرضىّ به ، والشرّ عرضىّ لفعله غير راض به . ولا يرضى ( م 118 ر ) لعباده الكفر ، والكفر عدم التصديق بما جاء به الرسول ضرورة ، فلا يحتاج إلى فاعل لعدميّته ، وما بالذات اسبق ممّا بالغير . فقد عرفت معنى قوله : « سبقت رحمتي غضبى » ومعنى قوله :
« كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ »
. فلهذا الا يضيف هو ، تعالى ، إلى نفسه ، الا الخير ، دون الشر ، كما في قوله :
« بِيَدِكَ الْخَيْرُ »
، وما تعرّض للشرّ ، وفي قوله :
« أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً »
. وعلى هذه السنّة جرت طريقة الأنبياء والأولياء ، نحو قول إبراهيم ، عليه السّلام : « وإذا مرضت فهو يشفيني » وما قال : « وإذا امرضتنى » ، بل اضافه إلى نفسه الّذي هو عبارة (
b
177 ) عن زوال الصحّة . وقول أصحاب الكهف :
« آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ، وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً »
. تأمّل دقيقة مخفيّة في قوله ، تعالى :
« قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ »
، اى الخير والشرّ كلاهما من عند اللّه . وما قال : « من اللّه » ، بل وسّط صيغة العند ، ايهاما بان الخير من اللّه ، والشرّ من عنده ، اى هو لازم من فعله ، لا من ذاته . كما قال لرسوله ، عليه السّلام :
« قُلْ : أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ، مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ »
. أضاف الشرّ إلى عالم الخلق الذي منه عالم العناصر المنشأ للشرّ ، دون اضافته إلى عالم الامر . فدلّ ان منشأه الخلق لا الامر . وإذا كان الامر الذي هو عبد من عباده في تفسير ابن عباس ، رضى اللّه عنه ، بقوله تعالى :