ولان العرض اللّاحق في الوجود لا يمكن تحصيله الا لغرض آخر سابق عليه . إذ لو جوز تحصيل الغرض لا لغرض زائد ، فليجوز في ايجاد الوجود عريا عن الاغراض . وكذا الغرض الثّاني يستدعى غرضا ثالثا ، وهلمّ ( م 115 پ ) جرّا . فلا يمكن ايجاد الوجود ، ما لم يتقدّم عليه اغراض لا نهاية لها دفعة . هذا محال ، والموقوف عليه محال ، وهو ايجاد الوجود ، ولا ريب في كذبه . لان الباعث للشئ على الشئ مستخدم له بتحصيله ، بل مستعبد . ومن الذي يستعبد المعبود المسجود ، ومن الذي يستخدم المخدوم المقصود ، (
b
173 ) فلا مقصود له اذن .
ولولا ان الدخول في إقامة الحجج على هذا المطلوب يخرجني عن القصد ، لكدت اسودّ فيه أوراقا ، وامدّ من اطنابه رواقا ، يزيد في الخلق ما يشاء ، سبحانه من فاتح بيده مفاتيح « 1 » المفاتح ومقاليد المساعى ( 74 ر ) والمناحج عند مفاتح الغيب والشهادة ، وله مقاليد السّماوات والأرض .
فاذن لا علّة لصنعه ولا غاية لفعله ، ولذلك قال : لا يسأل عما يفعل ، اى فعله بالذات والإرادة ، والذاتيات لا يسئل عن عللها ، ولا يبحث عن لمّيتها .
واما قوله ، تعالى :
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »
، مقيّدا بلام التعليل ، اشعارا بان خلق الجنّ والانس لغرض العبادة ، الا ان هذه الغاية راجعة إلى الخلق ، لا إلى خالقه . لان المقصود من التعبّد له وصولهم إلى سعادتهم الّتي هي المشاهدة ، وهي لا تحصل الا بالمجاهدة والتعبّد والصّوم والتهجّد . ومشاهدة المعشوق غرض العاشق وحظّه ، لا نصيب له فيها (
a
174 ) ولا ذوق ولا ميل ( م 116 ر ) اليه ولا شوق .
مع انّه تعالى عاشق لذاته ، معشوق لذاته ولغيره ، يحبّهم ويحبّونه . فمحبّتهم له عين محبّته لهم ، لانّه هو الّذي يدعوهم إلى دار السّلام ، ويجرّهم لا سماع الكلام . ولولا دعاؤه ايّاهم ؛ لما اجترء أحد على هذا الاقدام ، وشرب جرعة من هذا المدام المسكر لعقول أولى الألباب . فما للتراب وربّ الأرباب ، لبعد المناسبة والمشابهة وبون المكالمة والمواجهة .
وبتقرير هذه المحبّة الروحانيّة والمودّة السّبحانية ، خرج الجواب عن جوابه ، تعالى ،
هامش
( 1 ) - م : مفاتح .