تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
بعد ان علّمناك ان كلّ الأشياء انّما صدر عن مبدعها لعلمه بها . فان ظلمة الجهل لا يصدر عنها شئ بتّة . إذ الوجود والشئ ، كيف يصدر من العدم الذي هو الجهل ، وهو كيف يوجد شيئا وهو في نفسه غير موجود ، إذ الايجاد هو اعطاء الوجود . فما لم يكن له وجود ، كيف يعطى غيره ما لم يكن له . فلليس كيف يجود بالايس ، بل بئس كيف يسخو بنعم . وتلوت قوله ، تعالى :
« وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ »
. انظر كيف صرحت الآية بان سبب وجود الأشياء (
b
166 ) هو العلم لا غير . وهكذا نحن إذا تصوّرنا الصّحة يحدث فينا الصحة ، وإذا تصوّرنا المرض يحدث فينا المرض . وأقرب من هذا ان تصوّر صورة مليحة يهيج قوّة الشهوة ، وتصوّر قبيحها لا يوجب شيئا ، بل ربما يثور قوّة النفرة ، لتصوّرها صورة مبغوضة ( 71 ر ) عند المتصوّر . وهذا هو المقدّمة المشهورة من ( م 111 ر ) ان التصوّرات النفسانيّة قد تكون مبادى لحدوث الحوادث . ومن حاله بلغت إلى حد قصور ، يجب ان يقرّر معه الوجدانيّات النابعة من فطرة النّفس بالبرهانيّات ، وهو لا يقبل الا بعسرة وصعوبة . فالأولى ترك مكالمته فضلا عمّا لا يقبل رأسا ، « قل : اللّه ، ثمّ ذرهم في خوضهم يلعبون ، ذرهم يأكلوا ويتمتّعوا ويلهيهم الامل ، فذرهم يخوضوا ويلعبوا ، واعرض عن الجاهلين » ، إشارات إلى هؤلاء . ثمّ من العقل الثّاني بهذه الاعتبارات الثّلاثة وتصوّراتها يصدر عنه عقل (
a
167 ) ونفس وفلك آخر ، إلى أن ينتهى تلك الأنوار والاشعّة بالعقل الأخير الّذي صدر عنه هيولى العالم العنصري . وهذه الأنوار مترتّبة في شدّة الاشراق وضعفه . فكلّ ما كان أقرب من منبع النور ، كان اشدّ اشراقا . وكل ما كان ابعد منه ، كان أضعف اشراقا ، حتّى لا تحصل من آخر الأنوار ، الا الهيولى الّتي هي جوهر ظلمانى لا يعقل ذاته ، فضلا عن غيره ، فهو ظلّه ، وطلّه . كما أن الطّبيعة ظل الهيولى . وظل الظلّ اظلم منه . فكان في اللّطافة ما بلغ رتبة العقل ، وفي الكثافة ما دخل في حد الجسم ، ليكون لها ثخن وحجم . بل الثخن انّما يحصل فيه بواسطة الصّورة الجسميّة ، فصارت جسما عنصريا . تصوّر شعلة تقطر من نار عظيمة ، وشعلة قاطرة من الشعلة الأولى ، وهكذا ثالثة ورابعة وخامسة إلى أن انتهت تلك الشعل بقاطرة لا نور لها ، مثل
الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 151 | عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري