لا يدرى (
a
163 ) المتعصّب المعصّب .
« وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا »
إشارة إلى هذا المعنى .
و ( م 108 پ ) مثّلوا بعدم البناء مع وجود البنّاء ، فان عدم أحدهما مع وجود الآخر محسوس . ولم يعلموا ان البنّاء ليس بعلّة أصلا لوجود البناء ، بل نضدت اللبنات بواسطة حركة يده ، فامتدّ طولا وعرضا . وهذه النسبة البعيدة ليست من العلّة ( 69 پ ) في شئ لا حقيقة أصلا ، ولا مجازا ، الّا على أقصى وجوه المجازات . ولم يشعروا أيضا ان فرض عدم الواجب محال ، إذ لا معنى للواجب الا هذا القدر ، بل يلزم من فرض عدمه كلّ محال . وإذا لزم كلّ محال ، كيف يبقى ممكن ما ، فضلا عن وجوده وبقائه وكونه وثباته . وهذا كما قيل :
بنيت قصرا ، وهدمت مصرا . وهاهنا هدمت مصرا داخلا فيه بيتك المبنى عليه . شعر :
قل للّذى « 1 » يدعى في العلم فلسفة * حفظت شيئا وغابت عنك أشياء
فثبت ان دائرة الوجود ، لو كانت متسلسلة متعلّقة (
b
163 ) واحدة من واحدة منها ، لسرى عدم بعضها إلى عدم كلّها ، مع أن بطلانه معلوم ضرورة عقليّة ومشاهدة حسّية .
فأي طريق في اثبات كثرة لا على هذا الوجه ؟ فليس الا ان هذا العقل الأول فيه كثرة ، بعضها من عند الواجب الواهب ، وبعضها من ذاتها ، واقلّه انّه ممكن محدث . والامكان له من ذاته لا بجعل جاعل ، فانّ الممكن لا يجعل ولا يفعل . بل الامكان سبب لكون الممكن مجعولا .
إذ لو لم يكن ممكنا ، لما كان يمكن جعله . فهو اذن سابق على كونه مجعولا لغيره ، لان العلّة سابقة على ( م 109 ر ) المعلول . ولان الامكان للشئ لو كان بالغير ، لكان عارضا جائز الزوال . ومتى زال ، انقلب الممكن غير ممكن . هذا بديهي الخلف . فثبت ان الامكان له من ذاته ، كما أن الوجوب للواجب من ذاته . فإذا جاز القدح في أحدهما ، جاز في الآخر .
فهذه الكثرة مركّبة تركيبا عقليا من أمور ثلاثة متفاوتة بالضوء والظلمة (
a
161 ) والظل .
فوجوده من الأول نوراني ، ووجوبه كظلّ منه ، وامكانه ظلمانى ، إذ هو منبع العدم . فهذا العقل اذن هو الجوهر الذي قيل فيه : « اوّل ما خلق اللّه جوهرة ، فنظر إليها بعين الهيبة فذابت اجزاؤه ، فصارت ماء ، فتحرك الماء ، وطفا فوقه زبد ، وارتفع دخان . فخلق السّماوات
هامش
( 1 ) - م ر : لمن .