فالعقل الاوّل ظلّه وطلّه ، كما سمّاه تعالى صريحا بهذا الاسم في قوله :
« أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ، وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً »
. لان له ما سكن في اللّيل والنّهار ، وهي العقول والنّفوس ( م 110 ر ) الساكنة ليلا ونهارا آصالا واسحارا في حظيرة الجبروت ، وهو سلطان اللّه في ارض عالم الأجسام كما قال ، عليه السّلام : السّلطان ظل اللّه في ارضه ، فهو ظلّ بالنسبة إلى كبرياء الأول ، وشمس بالنّسبة إلى من دونه ، وما سواه ظلاله . فكما انّ النّور أشرق من الظلّ ، فكذلك تصوّره اشرف منه .
فمن هذه الجهات الثلث الّتي هي الوجود والوجوب والامكان ، (
b
165 ) أو الوجود والمائيّة والامكان ، أو النّور والظلّ والظّلمة ، على اختلاف العبارات ، يتولّد فيه علوم ثلاثة متفاوتة في الشّرف والخسّة . لانّه كما أن تصوّر البقاء يوجب اللّذة ، فكذلك تصوّر ( 70 پ ) الفناء يوجب الألم . وهذه الحالة نجدها من أنفسنا وجدانا ضروريّا بلا تكلف برهان ، بل اغنانا عنه العيان بعين البصيرة والحدس بلا مزاحمة من عين الحسّ .
فمن نظره الامكانىّ يلزمه الفلك الاوّل ، لانّ تصوّر الامكان يناسب المادّة .
ومن نظره الثّاني ، وهو تصوّر الوجوب بالغير ، يلزمه نفس ذلك الفلك ، إذ هو ظلّ للعقل ، فتصوّر الظل يناسب الظلّ .
ومن نظره الثّالث وهو تصوّر الوجود الموهوب من عند الجواد ، يلزمه عقل آخر ، لان تصوّر النّور المحض يوجب النّور المحض المناسب له مناسبات كثيرة ، مثل البساطة ، والامن من الفساد ، والعلم والإحاطة ، والجوهريّة الموجبة للقيام بالذّات ، إلى غير ذلك . ولا معنى (
a
166 ) للعقل الاماله هذه الأوصاف ولا تتعجّب من هذا .
فنقول ما معنى كون العقل ( م 110 پ ) الاوّل معدنا لنور وظلمة وظلّ وتفكّر في متن الحديث ، كيف صرّح أيضا بأمور ثلاثة مخلوقة منه ، وهو الماء والأرض والدخان ، وهل الأرض الا كالظلمة التي سمّيناها جسما فلكيّا ، والماء الا كالظلّ الذي سمّيناه نفسا كلّيا ، والدخان الا كالنّور الّذي سمّيناه عقلا فعالا ، سوى ان تفهيم المعقولات الغائبة لا يمكن الا بمحسوسات الحاضرة للعين .
ولا تنكرنّ في نفسك مناجيا ايّاها بزعمك : كيف يكون تصوّر الأشياء وتعقّلها سببا لها ،