انّ اللّه واحد في ذاته وصفاته ، وبرهنّا ان فعل الواحد بلا واسطة واحد ، فذلك الواحد الواجبىّ عن الواحد الأول لن يسوغ ان يكون عرضا ، لافتقاره إلى حامل جوهرىّ . ولا هيولى ، إذ وجودها بلا صورة محال . ولا صورة ، لافتقارها إلى محلّ قائم الذات ، ولا بجسم ، لما فيه التّركيب . ولا بنفس ، لاحتياجها إلى بدن ( 69 ر ) تدبّره ، ولان النّفس متغيّرة في ذاتها ، لتغيّر ارادتها (
a
162 ) وتحريكها ، فلا يجوز صدورها بلا واسطة عن الواجب الّذي لا يتغيّر .
فهذه الجواهر الأربعة متباينة ذاتا عن صدورها عن المبدأ المطلق فرادى وأزواجا ، ودخولها في دين الوجود أفواجا معا ، لقصورها ونقصها عن استحقاق التقدّم والسبقية ، لا لبخل مبدأها وقصور فاعلها ، تعالى عن الضنّة والتقتير والكلال والتّقصير ، فضلا عن العرض الواجب التأخّر عن كلها ، لافتقار وجوده إليها . ( م 108 ر ) والواجب تأخّرا عن الكلّ كيف يصبح وجه وجوده من ليل العدم سابقا على الكلّ .
فبقى ان يكون أول ما خلق اللّه العقل . فقد وافق البرهان اعتقاد أصحاب الأديان ثمّ هذا العقل الوحداني ان صدر عنه أيضا واحد آخر وهكذا ، وجب ان لا يكون في الوجود موجودان ، الّا واحد هما علة الاخر . ومتى انتفى أحد اشخاص الوجود ، [ كانت قد ] انتفت علته . وكذا انتفاء علته لانتفاء علّة علّته « 1 » ، (
b
162 ) وهلم جرّا في الانتفاءات ، كما كان جرّا « 2 » في الثبوتات ، حتى يسرى إلى الواجب ان تعلّقت المعلولات به . والّا ، فيبقى الواجب فردا واحدا ، وينتفى ما سواه ، ان جوزنا انفكاك الصنع عن الصانع .
كما جوز بعض المتكلّمين انفكاك الصانع عن الصنع ، لان الانفكاكين متلازمان . إذ العلاقة من أحد الجانبين متى تحققت ، تلازمها علاقة الجانب الآخر ، مع أن هذا مخالفة صريحة لقوله :
« إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا »
، وغيره من الآيات والاخبار .
حيث قالوا : فرض عدم الواجب لا يضرّ وجود الممكن ، بل يجوز وجوده ملازما لعدمه . شدّ العصابة العصبيّة لعصبة القول بالعلّة والمعلول . وربّ عصبيّة في قضيّة جزويّة مختلفة مؤدّية إلى قضيّة كلّية متّفقة رافعة لها مفضية إلى رفع جزئيّتها ، لدخولها تحتها من حيث
هامش
( 1 ) - م س : علة .
( 2 ) - س : جرى .