تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
فلهذه المقدّمات الضّروريّة صدّتهم عن المسير اليه . المذهب الخامس رأى من نظر إلى كلى طرفي الصّانع والصّنع كمالا ونقصا وفعلا وانفعالا ، فيتعارض عنده دليلان ، وينسد عليه سبيلان ، فيتوقّف في الكلّ أو في البعض ، ولا يسلك مسلكا ، ولا يخوض معبرا ومهلكا . وهذا مذهب جالينوس ومن تابعه ممّن على عقيدته بائعة ، ولعلّه اختيار طريق السّلامة ، وتنكّب جانب الملامة ، أو عسى اخذ بيده الوصيّة المرويّة عن سيّدنا سيّد الاوّلين والآخرين سابق القدماء والمتأخّرين ، عليه السّلام : عليكم بدين العجائز ، حيث عجز حائرا واتجر بايرا ، فما ربحت تجارتهم ، وما كانوا مهتدين . أو المثل (
b
156 ) السّائر : العمى أقرب إلى السّلامة من بصيرة حولاء . لانّه عمى عن سلوك الصّراطين ، وانحل عقال عقله عن كلى الرباطين . وعلى الجملة يدور نظر أهل العالم بين الكمال التامّ العامّ للعلّة ونقص العجز الضّعيف للمعلول . فالفلسفى يستدلّ بحال السّبب على حال المسبّب ، فيشبّهه به ، وهم المشبّهة العقليّة من هذه الجهة ، وان كانوا ينزّهونه عن المكان والجهة . فجلّ الواحد المعروف قبل الحدود وقبل الحروف ، كما أشار اليه حكيم السّلف وقدوة الخلف ، الجنيد ، رضى اللّه عنه . والمتكلّم يستدلّ بحال المسبّب على حال السّبب ، فيعطّله عنه ، وهم المعطّلة من هذا السّبب ، حيث عطّلوا اللّه تعالى عن جوده مدّة لا نهاية لها ( م 104 پ ) موهومة غير مفهومة . فهذا هو تلخيص المذاهب مع إشارات خفيّة إلى مأخذها . وانا أقول قولا حقّا مسالك المذاهب أربعة : الاوّل مسلك صرف العقل بلا اعتصام بحبل الشرع ، ولا اخذ بقيود حدود (
a
157 ) السّمع ، وقلّ ما ينجو سالكه دون ان يتردّى ، ويقع في صفاصف الحيرة والرّدى . كما قال ، عليه السّلام : ( 67 ر ) « يهتف العلم بالعمل ، فان أجاب ، والّا ارتحل عنه » . ولهذا قال أهل البصيرة : « علم بلا عمل ضلال ، الا من اخذ التوفيق بيده توفيقا قائدا إلى سعادة دون وسيلة المبعوث ، فيكون عقله رسولا اليه هاديا له ، كما قال لرسوله ، عليه السّلام :
« وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا »
. ومعلوم ان أحدا من البشر ما كان هاديا له إلى الحقّ ،
الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 142 | عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري