الملائكة الّذين قال لهم اللّه :
« إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً »
، فاعترضوا عليه ، تعالى ، وقالوا :
« أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ »
فعجزوا عن جوابها ، واستعانوا بربّهم في دفعها ، إذ هي خطوات الشّيطان وسبلها . وهي ( م 102 پ ) أصول جميع الشّبه الذّائعة فيما بين الخليقة من أرباب الشرائع والطريقة وأهل العقل والحقيقة ، جميع المذاهب منها ناشية ، وسلاكها على الحاشية ، الا المخلصون الّذين هم على خطر عظيم . كما أشار اليه النبي ، عليه السّلام ، في حديث طويل : « الناس كلهم هلكى الا المخلصون » المشارون إليهم بقوله : « من اخلص للّه أربعين صباحا ، ظهرت ينابيع الحكمة (
a
154 ) من قلبه على لسانه . الا للّه الدين الخالص » . والفرقة النّاجية هم المذكورون في قوله :
وممّن خلقنا امّة يهدون بالحق وبه يعدلون » ، وإليها عائدة عند انحلالها وفكّ عقدة عقالها ، إذ كلّ شئ يرجع إلى أصله ، ويتّصل بجنسه عند فصل فصله .
فلا بدّ من الجواب عنها على الترتيب ، وها انا متّصد لمنصب الاستدلال في معرض الاستكانة والاستذلال مستفيدا لا مفيدا مكررا معيدا من فيض ذي الجلال واهب الكمال .
فنقول : أولا الحق الصّريح في كيفيّة صدور الصّنع عن الصّانع ، لا يمكن الّا ببيان صحيح المذاهب فيه . وقد اضطربت آراء العقول ودارت رؤوس النفوس على مذاهب ثلاثة ، دائرة بين دائرة حاصرة النفي والاثبات ، لا خروج لواحد منها . لان الصّنع روحانىّ وجسمانىّ ، فلا تخلو امّا ان يكون كلّ واحد منهما قديما أو محدثا ، أو الرّوحانى قديم (
b
154 ) والجسمانىّ محدث ، أو بالعكس ، أو موقوفا فيهما أو في أحدهما من ( م 103 ر ) غير حكم بقدم أو حدوث . فهذه اقسام محصورة بحصر العقل .
اما المذاهب المسلوكة منها التي هي أصولها فثلاثة :
المذهب الاوّل رأى من نظر إلى كمال القوّة الواجبيّة وتمام القدرة الواجبيّة ووفور فيضه وجوده ، فيصدّق بدوام الصّانع مع الصّنع ، وهو الاستدلال بقوّة العلّة التّامة على المعلول الواجب المعيّة معها ، ( 66 ر ) كيلا يكون جوده من جهة الأزل عاطلا باطلا ، فيتعطّل الصّانع الكامل الذّات الّتي لا يعوزها شئ ما من الكمالات والصنع عن إفاضة الخير مدّة غير متناهية ، وتعالى اللّه عن القصور والفتور . وهذا هو القول المشهور بقدم