تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
على ما عرفت في صدر الكتاب ، وعرفت أيضا لم سمّى نفسه وكتابه ورسله حكيما . فالآن أنعم النظر في افعاله وعلمه الّذي هو سبب صدور افعاله نظرا شافيا ، وتأمّل تأمّلا سابغا وافيا ( م 99 ر ) ، تلحظ جنابا تبهرك عجائبه ، وتبصر سحابا تغرقك سواكبه ، وانظر إلى هيئتى العالمين وشكلى الإقليمين ، عالم الأنفس وعالم الآفاق . فانّه أراك اشراطها ودلائلهما مخبوة كلها في ذاتك ، مخزونة جلّها في صفاتك . فانّك نسخة وجيزة من محيط كليهما . امّا نفسك الناطقة فهي زبدة أنموذج من مفصل عالم الأرواح ، واما صورتك الهيكليّة فهي خلاصة مختصرة من بسيط عالم الأشباح ، على ما اخبر اللّه ، تعالى عن إراءة هذه الآثار بقوله :
« سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ
(
a
149 )
لَهُمْ
( 64 پ )
أَنَّهُ الْحَقُّ »
، وبقوله :
« وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ »
. وأحسن الرنوّ إلى الاسرار المبثوثة المنثوثة والحكم المكنونة المخزونة في عالمي الملك والملكوت ، وتدرّع اللّاهوت بالناسوت ، ولا تكن ممّن ذمّهم اللّه بقوله :
« وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها ، وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ »
. هم الغفلة الكفرة الجهلة الفجرة حقّا ، وان كانوا مقرّين باللّسان ظاهرا ، فرقا من السّيف ، وهربا من الجور والحيف . وتعقب عقيب الآية هذه الآية :
« وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ ، إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ »
. كيف سمّى المؤمن مشركا ، اى المؤمن وفي الظاهر مشرك في الباطن . كما قال :
« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ »
. فانّك ان أحسنت إدامة الفكر فيهما ، فقد عبدت اللّه رائيا له . إذ النظر إلى ( م 99 پ ) الصّنع من جهة انّه يقترح صانعا ، نظر إلى الصّانع بعينه ، سيّما إلى صانع كلّ كلّ منه وكل جزو عنه وله واليه وبه ، بل نظر الناظر اليه هو كما قال : (
b
194 ) بي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش . فتفطّن لقوله ، تعالى : لحبيبه ، عليه السّلام : « انظر إلى ربّك كيف مد الظلّ » ، وما قال : انظر إلى فعل ربّك الّذي هو الظلّ ، لان النظر إلى الفعل بعينه ، نظر إلى فاعله ، من حيث هو مصنوع . فامّا النظر اليه لا من هذا الوجه ، فهو سبب البعد عنه والحجاب ، كمن ينظر عطشا إلى لامع السّراب . وعدم هذا النظر انجع منه ، فان العمى أقرب إلى طريق السّلامة من بصيرة حولاء ، إذ هي منبع الشرك ، واللّه لا يغفر ان يشرك به .