ولا ريب في انّ ذات الواجب أشد تجرّدا وابعد بعدا عن المادّة وعلائقها من كلّ من له حظّ الوجود وقسط من الايس . فهي اذن اشدّ إحاطة واسدّ علما بالكلّ ممّا سواه ، بل هو محض العلم ومحض الوجود ومحض الحياة . ولكن ( م 97 پ ) تلك الإحاطة (
b
146 ) والكشف التامّ لا نعرفه عينا ، وان كنّا نعلمه مبهما ، ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء ، إشارة إلى هذا المعنى ، لأنه قال :
« وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا »
، والقليل المتناهى كيف يحيط بالكثير الغير المتناهى .
فعلمه « 1 » يشمل الكلّىّ والجزئيّ والدائم والمتغيّر ، وكيف لا وقد صدرت عنه ذرّات الوجود ساكنها ومتحرّكها . والمصدر للشئ كيف لا يعرفه ( 63 پ ) على الوجه الصّادر منه كلا وجزوا ثابتا ودائما متغيّرا ومتحرّكا . فعلمه سبب تغيّر المتغيّر ، لا انّ تغيّر المتغيّر سبب تغيّر علمه ، كما زعم العميان فهو المغيّر لا المتغيّر .
واعتبر بالحركة الّتي ماهيّته متغيّرة دائما ، هل تغيّرها من علمه أم تغيّر علمه من تغيّرها . لا اظنّك ذاهلا عن هذه الدقيقة جاهلا بها .
« أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
. إشارة إلى انّ الخالق للشئ كيف يكون جاهلا به . بلى وهو الخلّاق العليم اللطيف الخبير ، اى النافذ في دقائق الأشياء من غاية (
a
147 ) لطفه ولطافته ، الواقف على بواطن الحقائق لوفور رحمته ورأفته . فثبت انّه ، تعالى : قد أحاط بكلّ شئ علما لا يعزب من علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السّماء .
الصّفة الثّانية القدرة وهي لفظة مطلقة على قوّة ناشية من اعتدال المزاج صالحة للتهيؤ والدّفع ، ويسمّيان فعلا وانفعالا . وهي بهذا المعنى في حقّ خالق المزاج الموّلد لها محال أوضح المحالات ( م 98 ر ) . وعلى صفة صالحة للايجاد على طريق الاختيار ، اى متى شاء ان يفعل فعل ، ومتى شاء ان يترك ترك . ويظهر من هذا ان القدرة بالفعل لا بالقوّة على الفعل مسبوقة بالإرادة المسبوقة بالعلم ، وهي بهذا المعنى يجب اثباتها للواجب المطلق ، إذ هي من الكمالات .
برهانه انه ثبت ان الوجود كلّه فعله لا مدخل لغيره فيه ، وقد صدر عنه على وفق علمه
هامش
( 1 ) س : وعلمه .