تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
لذاته عند ذاته ، كما دريت في مباحث النفس الانسانيّة . ولهذا أنكرت الدهريّة علمه ، تعالى ( م 96 ر ) ، بذاته . بل الحدّ الصّحيح والحقّ الصّريح ما ذكره الفيلسوف الأعظم ، المسمّى ، على لسان استاده افلاطن العظيم ، عقلا مجرّدا في ريق زمانه ، لفرط ذكائه وقوّة ايمانه ، وهو انّ العلم عبارة عن عدم غيبة الشئ عن المجرّد ( 62 پ ) عن المادة . ولا يغرنّك عبارة لفظ العدم عليه ، فنقول : كيف يكون العلم عدميا مع انّ الجهل (
b
144 ) عدم العلم ، وهو نقيضه ، وكيف يكون النّقيضان عدميّين ، إذ كيف يكون العدميّان نقيضين ، لان الغيبة نقيض الحضور ، وهو وجودي . إذ الوجود والحضور عبارتان عن معبّر واحد ، وعدم الغيبة عدم العدم ، فيكون وجودا . مع أن القرآن شاهد ناطق على ذا الحدّ في كثير من المواضع ، نحو قوله :
« فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ »
. صرّح بان علمه تعالى هو عدم غيبة الأشياء عنه . ومثله قوله :
« لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ »
، وكيف يغيب الأشياء عنه ، وهو مع الأشياء ، إذ هو معكم أينما كنتم . لانّ الكثير لا يفارق الواحد ، لا لذاته ، بل لانّ الواحد لا يفارقه . ومثله قوله :
« إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ »
. فثبت انّ حدّه للعلم مطابق لما قيل على لسان صاحب الشريعة الحقّة . ثمّ اعلم أن العلم كمال الوجود ، لانّ الموجود اشرف من المعدوم ، والموجود الحىّ اشرف من (
a
145 ) الموجود اللاحىّ ، والموجود الحىّ العالم اشرف من الموجود الحىّ الجاهل . فالوجود والحياة والعلم والنّور والحرارة والحركة من حيز الخير الوجودي ، ونقائضها من منبع الشرّ العدمي . فانظر الان ( م 96 پ ) بين طرفي الوجود والعدم في الشّرف والخسّة ، هل بين شرف أحدهما وخسّة الاخر مناسبة ما ، أم لا ، بل الشرّ ناقص مطلقا ، والوجود كامل مطلقا . ولما كان العلم من باب الكمال المطلق ، وجب اثباته لما هو فوق الكمال والتمام الجبّار العلام . فأقول : برهانه انّه قد بان في مباحث النّفس الّتي هي مخلوقة على صورة الرّحمن ذاتا وصفة وفعلا ، فهي مرقاة إلى بارئها ، لان معرفتها سلّم إلى معرفة
الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 131 | عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري