كلّ أحد من نفسه وجدانا ضروريّا . لان العلم هو الكاشف للأشياء ، فكيف يكون غيره كاشفا له ، والّا ينقلب الكاشف مطلقا مكشوفا بالنّسبة كاشفا بالنّسبة ، فلا يكون كاشفا مطلقا ، وقد شهدت الفطرة به ، ولأنه يلزم منه محال الدّور .
الّا انّ الأفاضل ( 62 ر ) عبّروا عنه باسامى مختلفة دالّة على مراتب في الكشف والجلاء ، مثل قولهم العلم هو الكشف التّام ، فالعلم نفس الكشف ، لكن قيّدوه بالتّمام ، لغاية وضوحه وجلائه .
وقالت الفلاسفة المحقّقون هو انطباع مثل الأشياء في النّفس المجرّدة عن المادّة وغواشيها .
برهانه ان من تصوّر شيئا ، فامّا ان تحدث فيه حالة ما لم تكن قبل تصوّره (
b
143 ) تلك ، أو لم تحدث . فإن لم تحدث ؛ فقد استوت حالتا ما قبل التصور وما بعده ، فلا يكون قد علم شيئا ، مع أنه يجد عن نفسه حدوث امر ما وجدانا بديهيا . وان ( م 95 پ ) حدث أمر ما ، فذلك الامر لا يخلو امّا ان يكون عين الموجود خارجا من نفسه ، وهذا محال . لانّ الشئ الواحد كيف يكون موجودا في محلين ، داخل في النّفس وخارج عنها . ولأنا نعلم أن النار الخارجي محرق ، ولا كذلك النار الحالة في النّفس ، فكيف يكون أحدهما عين الاخر ، سيّما مع اختلاف المحلّين . أو غيره ، وحينئذ لا يخلو اما ان يكون مطابقا لما يتصوّر ، أو لم يكن .
فإن لم يكن ؛ فهو جهل ، إذ لا يكون قد علمه كما هو ، بل علمه على غير ما هو ، ولا معنى للجهل الا ذلك . فبقى ان يكون الحاضر في النّفس صورة مطابقة لما هو مدرك متصوّر . فلهذا قالوا :
العلم انطباع صورة مطابقة للمعلوم في النّفس المجرّدة .
وهذا الحدّ غير منته إلى الصحة ، لان هذا غير مطردّ (
a
144 ) في كلّ علم ولكلّ عالم .
امّا العالم فلانّه يلزم على هذا أن تكون صور المعلومات ، سواء كانت متناهية أو غير متناهية محسوسة ومعقولة ، حاضرة في ذات الواجب وجوده ، وهو محال . لانّ محلّ الصور الكثيرة كثير ، فلا يكون الواجب واحدا . هذا لغو من المنطق . ومن هذا الحدّ وقعت القدماء في حدّ تفريط نفى علمه رأسا ، تعالى عنه .
وامّا العلم فلانّه يشكل بعلم العالم نفسه ، إذ ادراكه لذاته ، ليس بصورة مساوية