تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
هي فيه كانت مشاهدة ( 54 ر ) لصورة شاهد الجلال ، قاطنة في ساحة الكمال . الا ترى إلى قوله ، تعالى ، مدحا لآدم أبى البشر : وعلّم آدم الأسماء كلّها ، هي حقائق الموجودات الدالّة على الصفات الدالّة على الذات . فالنظر إلى الافعال من جهة احتياجها إلى صانعه نظر إلى الصانع ، وهذا يدلّ على أن النفوس فيه كانت مشاهدة له بواسطة الصنع ، كما نبّهت الآية القائلة :
« أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ »
، اى انظر إلى الذي مدّ الظلّ ، مع انّه سمّى هذا الرأي رائيا إلى ربّ الظل . وإلى قوله ، خطابا للذرّات المنبسطة من أصلاب بنيه :
« أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ، قالُوا : بَلى »
. (
b
122 ) فلو لم يكن شاهدين مشاهدين لجماله ، كيف اعترفوا بإلهيّته وربوبيّته ، فضلا عن كونه ربّا لهم ، وهم عبيدا له ، فإنه قال :
« بِرَبِّكُمْ »
، ففي الآية ربوبيّته مع اضافتها إليهم . وفيها دقيقة أخرى ، وهي انّه تعالى ، استفهم منهم الاقرار بربوبيته لا وجوده ، تنبيها على انّهم كانوا مقرّين بوجوده في بداية عقولهم وفطر نفوسهم . فدلّت ( م 81 ر ) هذه اللّطيفة الدّقيقة على أن معرفة الصّانع غريزة للعقول السّليمة ضروريّة للطّباع المستقيمة . فلهذا أمرت طوائف الأنبياء عليهم السّلام ، وفرق الحكماء بقتل من انكر وجود الصانع فجأة بلا استتاب ولا عتاب ، فانّه ينكر ضروريات الأمور . واخذت الحكماء الجدليّون منهم ضرب أهل السفسطة ، من جهة انّهم أنكروا اوّليات العلوم وحسّياتها . واقرا مصداقا لهذا قوله ، تعالى ، لحبيبه الشّاهد ، عليه السّلام :
« إِنَّا ( a 123 ) أَرْسَلْناكَ شاهِداً »
. فدلت الآية على أن النّفوس كانت مشاهدة للجمال المطلق في عالمه الّذي هو بلده الحرام ، ومدينة السّلام . فامّا في هذا العالم الذي هو دار غربته ووطن كربته فلكونها محجوبة بالقوى والرّذائل الدنيّة والاخلاق الخسيسة البدنيّة ، عميت بصيرته عن رؤية الحقّ ومشاهدة جماله . فان الغريب أعمى ، كالعارض العارض بين مقلنا وجرم الشمس ، فلهذا صارت محتاجة إلى قائد وسيلة البرهان ، مثل الأعمى الفقير إلى العصا قائدا له إلى مقصده .