الخصم الجاحد ، أو ينكرها . فان سلّمها الخصم ، فقد تحقّق المرام وارتفع الخصام . وان أنكرها ، فقد سلم أيضا ( 55 ر ) مطلوبنا . لانّ منعه وانكاره دليل على وجود موجود ، ضرورة ان المنكر موجود . فاذن قد كشف الغطاء عن وجه المطلوب ، فبصرك اليوم حديد . لانّه ثبت في الشرطيّة الثانية ملزوم لازمها ، وفي الشرطيّة الأولى انتفى لازم ملزومها .
وهذا هو المقام الّذي قال فيه حكيم العرب ، رضى اللّه عنه : « لو كشف الغطاء ، ما ازددت يقينا » ، وقال آخر : رأى قلبي ربّى .
فالعلم بوجود واجب الوجود ، ان كان مستفادا من البرهان ، يسمّى يقينا ؛ وان كان حاصلا دون مزاحمته ، يسمى رؤية وشاهدة .
فقد تقرر الكلام المشهور من أفاضل السّلف وأكابر الخلف ان ليس في الوجود الا اللّه الواحد الحقّ ، وهو معنى قول الخلائق طرّا : (
a
125 ) « لا إله الّا اللّه » . مع زيادة فرق ، وهو ان الثاني نفى صفة الالهيّة عمّا سواه مع مفهوم جواز وجوده غير منطوق . والأول نفى الوجود عما سواه منطوقا ، ونفى الوجود يتضمّن نفى صفاته دون عكس . ولا شكّ انّ الاوّل أبلغ في التوحيد وادخل في التّحقيق من الثاني .
فلهذا قال الشيخ الامام حجّة الإسلام « 1 » ، رضى اللّه عنه : « لا إله الا اللّه ، شهادة العوام ، ولا هو الّا هو ، شهادة ( م 82 پ ) الخواصّ .
ومن المدقّقين من زاد عليه فقال : هاهنا خمس مقامات : لا إله الّا اللّه ، ولا هو الّا هو ، ولا أنت الا أنت ، ولا انا الّا انا ، وكلّ شئ هالك الّا وجهه .
والفرق بين هذه المراتب ان :
الاوّل اثبات الالهيّة مع نفيها عما عداه .
والثّاني اثبات لهويّته وهي وجوده مع نفيه عما عداه .
والثّالث اثبات لمشاهدته مع نفيها عما عداه .
والرّابع أقرب من المشاهدة ، إذ هي تقتضى اثبات الاثنينيّة ، وهو الاتّحاد المشار اليه بقول الحلّاج ، رضى اللّه عنه : انا من اهوى ومن اهوى انا ، وبقول غيره : (
b
125 ) .
هامش
( 1 ) - وهو الامام فخر الدين الرازي ( هامش م ) .