وكيف لا يكون ممسكا للسّماوات والأرض ، وقد قامتا بأمره ، وسلطانه وقهره ، وان كان طرف العدم ، فلا يستدعى سببا وجوديا ولا عدميا ، بل عدم سببه كفى لعدمه . ولذلك فان العدمات الازليّة بقيت على حالاتها العدميّة ، (
a
120 ) لا لسبب عدمها ، بل لعدم سببها ، فان العدم نفى محض لا يستدعى سببا .
وهذا هو الكلام المشهور من أساطين الحكمة وسلاطين الفلسفة : ان علة العدم هو عدم العلة . فاذن الممكن يجب ويمتنع بغيره . وذلك الغير هو المسمّى سببا وعلّة وموجبا وفاعلا وجاعلا ومقتضيا . وكلّها عبارات عن معنى واحد ، وهو المعطى لوجود الشئ .
وبإزائه المعلول والمسبب والمفعول والمجعول والمقتضى والموجب ، وكلها مترادفة على مسمّى واحد ، وهو المستفاد من ( م 79 پ ) الغير . ولا مشارة بين المعنيين فيما بين الفريقين ، الا في العبارات والاصطلاحات ، ان فتّش عن البحث حق التفتيش ، وأميط اذى الايذاء عن طريقه .
والسبب قد يكون بسيطا ، وقد يكون مركبا . فالبسيط هو الّذي لا يتوقّف تأثيره في معلوله على غيره ، كالواجب للعقل الأول ، ويسمّى سببا تاما . والمركّب (
b
120 ) ما يتوقّف ايجابه لمعلوله على غيره ، سواء كان شرطا أو وقتا أو آلة أو داعية ، وحينئذ يسمّى ناقصا . والمجموع يكون سببا تاما . وكلّ ما يتوقّف عليه المعلول يسمّى جزء العلّة أو شرطها أو شطرها .
وإذا حصل السبب التامّ للشئ . وجب حصول ذلك الشئ . والا ، فهو موقوف على امر منتظر هو شريك السبب ، فلا يكون تاما ، وقد فرض تاما ، هذا خلف .
وجميع ما يعتبر في وجود الشئ على اقسام ثلاثة :
منها ما يتعلّق بالفاعل نحو قدرته وارادته وعلمه وغيرها .
ومنها ما يتعلّق بالمفعول . وليس من جهته الّا كونه ممكنا ، اى مستعد القبول الوجود والّا ، فلا قدرة له عليه . ولهذا قيل : شرط كون القادر قادرا على المقدور كونه بحيث يقبل الوجود ، إذ لا قدرة على المحال . ومن هاهنا زعم أن اللّه ، تعالى : غير قادر على ايجاد المحالات .
فاطلقوا هذا اللفظ الشنيع ، وليس على ما اطلق . بل الاطلاق الحق ما قال اللّه ، سبحانه :
( 53 پ ) اللّه خالق (
a
121 ) كل شئ . فهذه قضية كلّية حقّة ، ولا نقيض لها سالبة جزوية .