تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
ومن كون المعدوم معلوما ذكت نار زناد عناد المعتزلة المختزلة ، كنار شهوة العنّين ، للقول بكون المعدوم الممكن ذاتا وعينا ، دون الممتنع . وإذا طولبوا بالفرق بينهما ، تبلّد حمارهم ، وخبث نارهم ، فكلّما أوقدوا نارا للحرب ، اطفاها اللّه ( 51 پ ) . هم مخانيث الفلاسفة وسرّاق الحكماء ، حيث سرقوا هذه المسألة من قول بعض القدماء ان الهيولى جوهر موجود بلا صورة ، ولا يشار إليها . فمن حيث إن الهيولى جوهر شئ ، ومن حيث إنها عريّة عن الصورة ولا يشار إليها معدوم عند الحسّ ، فلهذا حكموا يكون المعدوم شيئا ، من قلّة معرفتهم بحقيقة (
b
116 ) المسألة ، وسقامة فهمهم وغلبة وهمهم . وجزاء السارق ما حكم اللّه به في كتابه حيث قال :
« وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما »
. الآية . فثبت ان الممتنع لاحكم له الّا من جهة ثبوته في الذّهن . فامّا من جهة وجوده ، فكلّا . إذ هو ممتنع الوجود ، ( م 77 ر ) والاحكام انّما تثبت للأشياء من جهة وجودها خارجا . وامّا الواجب فسيأتي شرح ذاته وصفاته وما يتعلّق بهما ممّا هو معقول للبشر ، ويمكن ادراكه من صفات جلاله ، ونعوت كماله ، لينفق ذو سعة من سعته . ومن قدر عليه رزقه ، فلينفق ممّا آتيه اللّه ، لا يكلف اللّه نفسا الّا ما آتيها ، سيجعل اللّه بعد عسر يسرا . ومن عمل بما علم ، ورثه اللّه علم ما لم يعلم . والعمل بالمعلوم ، هو الفكر فيه بتمرينه وتخميره وتليينه مرّة بعد أخرى وكرّة بعد أولى ، حتى يزيد للنّفس اشراقا واعتبارا وضياء واستبصارا ونورا وهداية (
a
117 ) وعرفانا ودراية . ولهذا قال ، عليه السّلام : تفكّر ساعة خير من عبادة ستّين سنة لم يتفكّر فيها . ومثله قوله ، تعالى :
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
، اى فرصة ينتهز فيها نظرة إلى صورة المعشوق ألذّ من من تزجية العمر مدّة مديدة في التفكر في كيفيّة افعاله والتدبر [ في ] معاني أقواله . إذ المقصود من قطع المنازل ، هو الوصول . فمتى تيسّر الوصول بلا قطع المنازل ، كان توسيطه شغلا شاغلا عنه عديم الفائدة ، بل شركا وشكّا . ويحدس من هذا ان المقصود من العبادات الشرعيّة والأحكام الوضعية ، انّما هو الفكر فيها ، من حيث إنها تعبّد للمعبود الحق ، لا لقلقة اللسان وتصوّر خيالات الشّيطان ،