الّا من حيث كونهم عبادا له ، مقهورين تحت قهره ، في يد تصرّفه وامره ، فضلا عن غيرهم سبحنه ، بل عباد مكرمون . وقد سمعت بانّ اللّه ( 49 پ ) عبادا ، ما نظروا إلى الدّنيا من خلقهم . فالدّنيا عالم الأجسام ، وهم لا يلتفتون إليها .
وحقّق من هذا صدق قوله ، عليه السّلام : « انّ اللّه مذ خلق الدّنيا ، ما نظر إليها .
لانّه لو كان له تعالى عباد غير ملتفتين إليها مع نقصهم لخسّتها ، فبان لا يلتفت مبدءهم إليها مع كماله ، وكونها اخسّ بالنّسبة اليه ، كان أولى . ولهذا قال ، عليه السّلام : « الدنيا ملعونة ، وملعون ما فيها ، الّا ما كان للّه منها » . اى الدّنيا مطرودة ، واللّعن الطّرد ، وكلّ ما فيها من جزويّاتها وحطامها ، الّا ما كان للّه منها . اى الّا القدر الّذي يعين على الحياة الفانية (
a
112 ) للتوسّل إلى الوصول إلى الحياة الباقية ، ( م 74 ر ) فانّ الدّنيا مزرعة الآخرة .
الخامس هو ان العقول ، فالسّابق منها علّة وجود اللاحق . وامّا النّفوس ، فلا تكون علّة لشئ من الاجرام . نعم عسى أن تكون علّة لبعض الاعراض ، كالحياة الّتي في جسم الفلك ، فانّها اثر من آثار نفوسها ، بل هي أيضا من معلولات العقول الّتي تسرى إلى جرم الفلك بواسطة النّفوس .
ولا تفهم هذه العلية والمعلوليّة فيما بين هذه الجواهر ، إلا بأن تصوّر في نفسك مثالا من المحسوس . وهو ان الضوء الشّمسى متى وقع على القمر ، ثمّ ينعكس منه على المرآة ، ثمّ منها على الماء ، ثمّ منه على الجدار ، فهذه الأنوار بعضها نور الشّمس ، وبعضها عكس نوره ، وبعضها عكس عكسه ، وبعضها عكس عكس عكسه ، وهلمّ جرّا إلى آخر المراتب . وكما أن النور أقوى وأشرق من عكسه ، فعكسه أشرق من عكس عكسه .
وعلى هذا فالنّفوس عكوس (
b
112 ) تلك الأنوار ، وعكوسها الحياة الّتي هي عرض من الاعراض . وقد انتهت بها تلك العكوس النيّرة والأجسام الفلكيّة ظلالها .
والعقول اشرقها العقل الاوّل الذي انبجس من بحر الجود ، وتنفّس صبح نفس وجوده من شمس الوجود الذي هو نور الأنوار ومفيض الآثار والاسرار .
وقد نخوض الآن في شاطى وادى بحره ، ونفرى عباب نوره وقهره ، هو ينبوع النور