وانّما فعل ذلك تنبيها على انّ سير السلّاك وسلوك النّسّاك لا يمكن الا بالتّدريج من الأصغر إلى الأكبر ، ومن الأضعف إلى الأقوى ، إذ العقول البشريّة الضعيفة ضعافة ابصار الخفافيش بالنسبة إلى جمال الشّمس ، تذوب عن ادراك جمال كبرياء الجلال . فإذا ابتدأ بالأقوى ، تلاشى ، (
b
109 ) وانطمس ، ووقع في بحر الحرق وانغمس .
وهذا كما أن ( 48 پ ) صاحب القوة الباصرة الضّعيفة ، إذا غوفص بالنّور القوىّ ، بطلت باصرته ، وفنيت ناصرته . ا لم تر إلى قوله تعالى لموسى ، عليه السّلام ، عند خشيته وغشيته في بحر الهيبة الجلاليّة :
« وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى »
. أراد ان يعيده إلى نفسه بتذكيره ايّاه صورة العصا ، إذ اخرج عن وجود نفسه ، لما هجم عليه من نور الكبرياء .
وهاتان الحالتان تسمّيان على لسان الصوفية بالكشف والستر ، وعلى لسان أهل الجدل بالرؤية والحجاب ، أو بالتجلّى والتّوارى ، على اختلاف الاصطلاحات ، و ( م 72 پ ) المعنى واحد ، هو الذي حكينا حال شيخ الملّة الحنيفيّة الخليليّة ، ومقام شجرة النبوّة الكليميّة ، فكيف حال غيرهم من سلاك مسالك الدين وأصحاب التلوين والتّمكين .
اللّهم الا ان يتفق وجود نفس زكيّة ذكيّة علّيّة جليّة توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقيّة ولا غربيّة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ، (
a
110 ) اى معلّم من نوع البشر الذي وكلّ عليه من الزبانى تسعة عشر ، بل من نيران ملكوتيّة لاهوتيّة ، فتصير نورا على نور ، ولبابا من قشور ، سابقة كلّ غاية ، واصلة إلى كلّ نهاية ، يهجم عليها أولا ما كشف لغيرها آخرا ، إذ صيغ جوهرها من سناء اللاهوت ، وصفى جسمها من صفاء النّاسوت . هي الشجرة المحمّديّة التي خرجت من طور سيناء ، حتى اهتدى بجمال نجمها الذين جاهدوا فينا ، ولو كان هو ابا على ابن سينا . هو مدينة علم أبى الحسن على بابها ، وبحر معرفة من كوثره ، تروّت أصحابها ، الذي سمع ورأى ، ما زاغ البصر وما طغى .
خاتمة الباب
خاتمة الباب . هذه الجواهر الكريمة المسمّاة عقولا ونفوسا ، لما كانت عريّة عن المواد بريّة عن القوّة والاستعداد ، وجب ان يكون احكامها خلاف احكام الماديّات .
الحكم الاوّل انّها محدثة حدوثا ذاتيّا ، إذ هي ممكنة ، بل ليس لها من ذواتها