اللّه عن الخلق طرا في قوله :
« وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ، لَيَقُولُنَّ اللَّهُ »
. فخالق الأجسام والاجرام السماويّة والارضيّة والشّمسيّة والقمريّة كيف يكون جسما . والّا كان ، خالقا لنفسه . وكيف لا ، ومعرفة الصانع غريزي للعقول ، فطرى للأرواح والنّفوس ، كما ستعرف ، فضلا عن أفاضل الرّسل ، عليهم السّلام .
وكثيرا ما ( م 71 پ ) يقع للسلّاك عند خمود القوى وذكاء نار البصيرة مثل هذه الاشتباه كما في قول أبى يزيد عند سكره وانطماسه في بحر نور الجلال وقطع نظره عن نفسه : « سبحانى ( 48 ر ) ما أعظم شأني » ، وقول غيره : « ليس في جبّتى سوى اللّه » ، وقول الحلاج عند استشفافه من وراء الزّجاج : « انا الحق » ، (
b
108 ) وشقّه مقامات العشّاق في حال الثمل ومشقّة العمل ، يطوى ولا ينتشر على ما أمر لخير البشر ، فذروه في سنبله الّا قليلا ممّا تأكلون .
وهذا عند كشفهم عن كيفيّة النّفس النّاطقة النورانيّة الّتي هي باب اوّل من عالم الملكوت ، ووقوفهم على اسرارها وآثارها ، حيث شبّهوها بالحق الاوّل والخالق المعوّل إذ هي مخلوقة على صورة الرّحمن .
وهذه الحالة تسمّى بلسان الحقيقة توحيدا ، وبلسان المجاز اتّحادا . ومن هذا المقام زلّت اقدام الحلوليّة والنصارى ، فضلّت أفكارهم وأفهامهم حيارى ، فتراهم سكارى وما هم بسكارى ، ولكن عذاب اللّه شديد . حيث وقفوا على بعض آثار النّفس المسيحيّة أذعنوا لإلهيّته ، وغفلوا عن معرفة ماهيّته . فمن تاب عن هذا المقام ، ورجع عن هذا الكلام ، فهو الموحّد المعتقد اعتقاد أبى يزيد ، والمؤمن الموقن ايقان الحسين ، رضى اللّه عنهما . ومن اصرّ واستكبر عليه اصرار إبليس على ترك سجوده ، والخروج عن امر معبوده ، (
a
109 ) فهو الملحد المعتقد اعتقاد فرعون ونمرود ، حيث قال كلّ واحد منهما انا ربّكم الاعلى ، وما رجع عن ( م 72 ر ) مقاله ولا تغيّر عن حاله .
وهاهنا دقيقة وهي انّه ، عليه السّلام ، بداء في سيره بأصغر الأنوار الذي مثاله الكوكب ، وهو نفسه الناطقة ، أو الرّوح الأخير من عالم الملكوت ، ثم باوسط الأنوار الذي مثاله القمر ، وهو النّفس الكلّية ، ثمّ بأعظم الأنوار الذي مثاله الشّمس ، وهو العقل الكلّى الاوّل .
وهذا التّرتيب التّعليمىّ خلاف التّرتيب الكائن في الوجود الغيبىّ . فان ثمّ اوّل ما خلق اللّه العقل ، ثمّ النفس ، ثمّ النّفوس البشريّة .