النّفس الكليّة ، فرآها ذا عزّة وعظمة واشراق وبراق فوق ما للاوّل ، فاسرع أيضا إلى الاقرار بربوبيّته .
وفي كلّ هذه المقامات صدر منه الاقرار بالربوبيّة لا بالالهيّة ، اعلاما بان مرتبة الربوبيّة أدنى من مرتبة الالهيّة ، ودليلا على جزمه ، عليه السّلام ، بأنّه ما كان إلها له ، بل شكّا منه بأنّه هل يصلح لكونه ربا له أم لا ، وهكذا درجة درجة كان يترقّى ممّن هو أدون إلى ما هو أعلى ، على ما أشار سيّدنا ، عليه السّلام ، إلى هذه الحالة في مبدأ زمان معرفته : « وأنه ليغان على قلبي ، حتى استغفر اللّه في اليوم سبعين مرة » . ( 47 پ ) سمّى الحالة الّتي حجبت الفكرة عن الوصول إلى المقصود غينا .
وهو دون الحالة الّتي هي للأولياء المسمّاة غيما في الكثافة والغلظ ، على ما أشار اليه واحد من سلّاك (
b
107 ) الصحابة ، رضى اللّه عنهم : « انّه يكون فوق راسي غمامة » .
وقد سمعت بان النبي ، عليه السّلام ، قبل بعثته كان فوق رأسه سحابة ذاهبة معه أينما ذهب ، لتمنع حرارة ( م 71 ر ) الشّمس منه عليه السّلام ، هي سحابة ظلمة البشريّة النّاشئة من القوى الطبيعيّة قبل زمان بعثته ، مانعة من اشراق شمس الفيض عليه من جاب الملكوت ، نافذة في كوة مفتوحة إلى دار الناسوت .
وأغلظ الحجب والنقب واكثف الكلل والعلل ما للمحجوبين المردودين المسمّى على لسان القرآن « رينا » في قوله اعلاما لحال الكفرة الفجرة العصاة العتاة عن امر ربّها ورسله ، هم أهل القرية الظالم أهلها ،
« كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ »
.
إلى أن جاوز عالم الامكان ، وصاح من سكر الحيرة ، واخذته قوّة الغيرة ، استغفر وندم على ما بدر ، وقال :
« إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً ، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
.
فنفى الشرك عن نفسه ، يدل على انّه كان قبل (
a
108 ) توجّهه إلى كعبة الجلال وقبلة الكمال نور الأنوار ومفيض الآثار مشركا في قوله : هذا ربّى .
ولكن هذا الشرك والاشتباه انّما وقع له في عالم العقول والأرواح ، لا في جرم من الاجرام والأشباح . فان أحدا من الجن والانس ما اقربا لهية جرم من الاجرام ، على ما حكى