تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
« أعوذ بكلمات اللّه التامّات » . كلّها يشير به إلى العقول الكاملة التامة الّتي اعطى لها جميع كمالاتها اللائقة بها أول ما خلقوا . ومن هذه الجهة يقال الواجب الوجود هو فوق التمام (
a
106 ) والكمال . فان واهبه يجب ان يكون فوقه . بخلاف النّفوس والاجرام ، فان الاجرام نواقص مطلقا ، والنّفوس متوسّطات بينهما في الكمال والنقص . ( م 70 ر ) . ومن هذه المراتب الثّلاثة تحدس تفسير قوله ، تعالى :
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً
،
أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ،
و
أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ
، والسّابقين ، ما لم تعرف الأنوار الثّلاثة المحسوسة في عالم الأجسام ، وهي الشّمس والقمر والكواكب ، فان هذه ظلال تلك الأنوار وطلسمات تلك الصّور . فالشّمس مثال العقل ، والقمر مثال النّفس الفلكية ، والكواكب أمثال النّفوس الثّلاثة الارضيّة المختلفة بالصغر والكبر والاشراق والجلاء والنّور والبهاء . وإذ قد تلوت ( 47 ر ) قوله تعالى :
« وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
وفهمت ان المراد بالسّماوات والأرض كلّ عالم الجسمانيّات ، إذ جسم من الأجسام لا يخرج عن هذين ، وتدبّرت في أن ملكوت عالم الأجسام هو أرواحها ، وهي العقول والنّفوس ، علمت أن سير الخليل ، عليه السّلام ، كان في عالم الروحانيّات ، لا في عالم (
b
106 ) الأجسام ، كما زعمت الغاغة من الناس ان سيره كان في عالم الأجسام ، وكان حال سيره هذا غير عارف بربه . وهذه زعمة عمياء وبصيرة عوراء . حيث لم يتفطّنوا لقوله ، تعالى ، على ما حكى اللّه عنه :
« لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ »
. فان قوله هذا يدل على أنه ، عليه السّلام ، كان قبل هذه الحال عارفا بربّه مقبلا عليه بقلبه . وانّما اشتبه عليه ربّ عالم الملكوت ، فانّه لما رأى تلك الأنوار المختلفة بالقبلة والاشراق والإنارة والأبراق والبهاء والضياء والسلطنة والكبرياء ، اختلاف الشّمس والقمر و ( م 70 پ ) الكواكب بالصّغر والكبر والنّور والظلمة والبراقة والكمودة ، دهش وتحيّر ، وعن حالته تغيّر ، فغشّه نور جمال الحضرة ، واشراق كمال العزّة ، فبادر إلى مثال الكوكب الذي هو الروح الأول لعالمنا ، والروح الأخير لعالم القدس ، وأقر بربوبيّته . فلما تفكّر وغاص في بحر ماهيته ، واطلع على سرّ هويّته ، (
a
107 ) عان بعين اليقين أفول امكانه ، وزوال حدوثه ، ترقى من مرقاة إلى ما هو أعلاه ، فرأى مثال القمر الّذي هو