تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
عالم الوجود ، وانبجس من مصدر الجود ، والقبلة الّتي حقّ عليها السّجود ، كما ينفجر الصّبح من شمس النّهار ، والأشعة من الأنوار . العالم الثاني النفس . فأول باب انفتح من بحر الجود إلى هذا العالم هو الّذي يسمّى نفس الكل والروح الأمين . وهو الماء الذي كان عليه عرش الرحمن ، إذ هو عرش العقل الاوّل الّذي هو عرش الرّحمن ، وهو الماء المذكور في قوله :
« وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ »
معناه خلقنا منه كلّ موجود (
a
102 ) ذي حيوة ، إذ هي عين ماء الحياة الفوّارة الخرّارة لجارية في عالم الأجسام ، السارية إلى سواقى الاجرام ، وهو المذكور في قوله :
« خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ »
إذ كلّ النّفوس منه ، اى استعدادها لقبول الكمالات منه ، لا ذواتها وحقائقها ومن مواهب كمالاتها فيض الالهام ، كما أن فيض الوحي من عطايا عقل الكل ، لانّ وحى اشرف وأشرق من الالهام ، وان اشتركا في الإشارة اللطيفة على الوضع الخاص . اما على وضع العرب ، فالوحي عبارة عن القاء الشئ إلى الشئ بسرعة ، وكذا الالهام ، الّا انّه اخفّ واخفى منه . فالاشرق دل على الأشرق ، وهو العقل ، كما أن الاخفى يدل على الاخفى ، وهو النّفس الكلّيّة . وكذا المنامات الصادقة من فيضها ، وهو الماء المذكور في قوله : ( م 67 پ )
« أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً »
. وفي تفسير ابن عباس ، رضى اللّه عنه : هو ماء العلم . وفي تفسير الحكماء : ماء الفيض والجود والخير والرحمة . وكلاهما واحد ، وفي تفسير بعض القراء : ماء (
b
102 ) القرآن . والكل متقارب إذ المشترك بين كل هذه الأقاويل هو فيض الاله وجوده ، تعالى وتقدّس . والبحر الذي هو بمكّة ، وكان عليه عرش الرّحمن منه ، فسالت أودية بقدرها . اى النّفوس الجزئية يقبل من ذلك الفيض النازل من عند نفس الكلّ بحسب استعداداتها . ثمّ ذلك الفيض الساري كالماء السائل لكل محروم وسايل في الأودية ، قد يفيد لبعض النّفوس شكوكا وشبها . فسماه لسان القرآن زبدا رابيا ، مثل زبد البحر الطافي على وجه الماء . وقد يفيد لبعضها حججا وبراهين قاطعة وهو الزلال والصّافى . فالزبد للغافلين »