ولا يكدّ للاحقر الاخسّ .
الوجه الثالث ان العاليات علل السّافلات ، والعلّة سابقة « 1 » لا تعدوا عدوا شاديا شدوا للمعلول المتأخّر وجوده عنها ، إلى غير ذلك من وجوه لا يفي الحد بعدّها ولا يكفى النّصر بحصرها . على انى أقول ما يرتمى إلى نفوسها العاشقة المشوّقة من أشعة جلال الأزل وأضواء كبرياء جمال الأول ، وأنوار آثار اللطف والعناية واسرار غرائب العاطفة والهداية ، ما يعوقها عن (
a
94 ) الالتفات إلى ذاتها الشريفة ، فضلا عما دونها من الأمور الخسيسة . ولهذا امتلاء الكتاب العزيز مبيّنا عن هذه الحالة ، نحو ( م 62 ر ) قوله :
« يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ »
. ونحو قوله :
« إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ »
. ما وصفهم الا بالاستغراق في بحر نور جمال المعشوق استغراق العشّاق المشتاقين في شمائل معشوقهم « 2 » هائما دائما بلا فترة ولا سآمة ، كما قال :
« وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً »
. والنازع المشتاق الغريق في نور الجمال ، الحريق بنار الجلال .
اعتبر هذه الحالة من نفسك مع شواغلك البدنيّة من الأمور السنيّة والدنيّة ، متى جرّدت عنها نفسك وبعدت منها حسّك وولّيت وجهك ، اعني وجه قلبك إلى الاستشراق بنور وجه ربك ، كيف تمتلى نورا وحبورا وفرحا وسرورا ، ويتأثر من ذلك هيكلك ويقشعر مخك وجلدك ، لما بينهما من العلاقة الشوقية الذوقية . (
b
94 ) وتجد من ذلك لذة لا يشبهها لذة وهميّة ، لا يماثلها بهجة ، انّما هو روح الرّياح الهابّة بين يدي رحمته ، وريحان من الرّياحين الناشرة في رياض نعمته ، قذف في نفسك ، وانعكس إلى صورتك . فقد انفعلت القوى من النّفس ، كما كانت هي تنفعل عنها وعن الجنبة العالية .
فإذا كانت حال نفسك المجرّدة مع عوائقها عن تلك الآثار هكذا ، فما ظنك بنفوس كريمة عظيمة أعظم براءة وأشد تجرّدا من نفسك عن المواد والعلائق والشيم والخلائق ، مع عدم شواغلها المانعة وانتفاء عوائقها ( 42 ر ) القاطعة ( م 62 پ ) ، من الشّهوة والغضب والحقد والحسد .
فمقامهم في القدر والجلال والعزّة والمنقبة ما قال اللّه حكاية عن قوم عشّاق
هامش
( 1 ) - م ر : السابقة .
( 2 ) - س : المعشوق .