منها في الوجود الا الواحد . فالواحد ، وهو الحركات الدّورية ، ومقدارها المسمّى زمانا ، ولا بدّ من (
b
90 ) التزامه ( م 59 پ ) . وإلّا لن يتصوّر قطّ حدوث حادث . لانّ الزائل المتغيّر لا يصدر عن الدائم الثّابت ، بل الدائم من الدائم ، والحادث من الحادث . والاوّل يسمّى دهرا ، والثّاني سرمدا والثّالث زمانا . فلا تغيّر فوق سدرة المنتهى ، بل هو عالم الثبات والبقاء ، سبحان من جلّ فناؤه عن غبار الفناء .
فتعيّن ان يكون غرضها امرا عقليّا كلّيا ، وهو ان الفلك موجود تام بالفعل ، ما بقي فيه شئ بالقوة الّا الوضع . فيريد ان يتشبّه بحركته الّتي لا يمكن اخراجها من القوّة إلى الفعل ، الاعلى طريق التعاقب ، بعقله الذي هو تامّ من جميع الوجوه ، ما بقي فيه شئ بالقوّة أصلا ، إذ به كونه ووجوده .
فلهذا يجب عليه ركوعه وسجوده ، ومنه اقتباس نوره وبهائه . فلأجل هذا يتوجّه عليه تولية وجهه شطر كعبة بارئه « 1 » . وهذا كالابن الذي يتشبّه بابيه في حركاته وافعاله وتحصيل علمه وكماله . وهذا (
a
91 ) التشبّه كالعبادة له والقربة إلى بارئه وعلته ، كلّ في فلك يسبحون سباحة الطّاعة والتعبّد ، وسياحة الصّوم والتهجّد .
وهذا كما امر لرسول اللّه ، عليه السّلام : ان لك في النّهار سبحا طويلا ، وكما قال :
ومن اللّيل فتهجّد به نافلة لك . فهم الذين عند ربّك ، يسبحون له باللّيل والنّهار ، وهم لا يسامون .
بقي ان يقال لكل من الأفلاك حركة غير ما للاخر في ( م 60 ر ) السرعة والبطء والشرقىّ والغربىّ ، وكذا للحوامل والتداوير . فمن اجل اىّ شئ اختلفت جهات هذه الحركات ؟
فنقول : الحركة الدورية « 2 » الّتي تشترك فيها كلّات الأفلاك لأجل التقرّب إلى واجب الوجود الذي هو نور الأنوار العقلية جمعاء ، والحركة الخاصّة لكلّ واحد من هذه للتشبّه بعلّته . ولما جاءت عللها مختلفة في الماهيّة ؛ جاءت الحركات ( 40 پ ) مختلفة ، لان المتشبّهات بالمختلفات مختلفات ، فهذا هو الغرض المحرّك للسّماوات .
هامش
( 1 ) - م ر : ضيائه .
( 2 ) - ر : التدويرية .