كما عرفت ، كلّها موجودة في أفضل اشخاصه بالفعل . (
b
92 ) فيكون وجوده لازما من حركات الأفلاك . ومتى انتفى اللازم ، انتفى الملزوم . فصحّ اذن قوله : « لولاك لما خلقت الأفلاك » . اى حركات الأفلاك ملزومة لوجودك ، لانّها علّته . وكلّ علّة ملزوم من غير عكس ، وكلّ ( م 61 ر ) معلول لازم دون عكسه . فمتى وجد الملزوم ، وجد اللازم ضرورة . فيلزم اذن من صدق هذه الشرطية انّه متى انتفى اللازم ، انتفى الملزوم ضرورة مبنيّة على ضرورة الأولى .
حتّى منه تدرجت غلاة المعتزلة إلى القول بأنّه يجب على اللّه رعاية الأصلح لعباده ، ولم يدروا انّه من الموجب عليه شيئا . وهل معنى الوجوب الا ما لو ترك يعاقب على تركه ، ولو اتى به يثاب على فعله . ومن الذي يثيبه أو يعاقبه ، بل هو المثيب والمعاقب ، والموجب والمحرّم والمحلّ ، يجب به الأشياء لا عليه ، على ما اخبر عنه ، تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا ، وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ »
. وقال : ومن آياته (
a
93 ) ان تقوم السّماء والأرض بأمره ، قامتا به ، وهو قائم عليهما قيام القهر والاستيلاء والامر والاستعلاء . والآمر كيف ينقلب مأمورا ، والقاهر كيف يصير مقهورا ، حتّى يلزم عليه شئ الزاما عن غيره . يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق .
فهم تارة أهل الكتاب من جهة القول بالقدر ، حيث شبههم النبي ، عليه السّلام ، بالمجوس ، في قوله : « القدرية مجوس هذه الأمة » . والمجوس لهم كتاب أو شبهة الكتاب . وسبب هذا التشبيه هو انّهم ان اثبتوا مقدورا بين قادرين فهم كالثنويّة القائلين بصانعين للعالم نور وظلمة أو يزدان واهرمن . بل هم كما نطق الحديث بقوله : القدريّة ( م 61 پ ) مجوس هذه الامّة ، وما قال : كالمجوس . وتارة أهل النحل والأهواء ، حيث نظروا إلى الصنع بالعين الحولاء ، وإلى الصانع بالعين العوراء . فعلى هذا تريهم مذبذبين بين ذلك ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء . وتارة كالمعطلة (
b
93 ) حيث عزلوا الصانع عن فعل المنكر والفحشاء . فمنه تلقّبوا بأصحاب الاعتزال . فعلى هذا يلزمهم تعطيل الصانع عن الصنع من الاعطاء والمنع ، وهو نظر اليه بالعين العوراء . والعمى الأقرب إلى السّلامة من ( 41 پ ) بصيرة حولاء وعوراء ، والبلاهة أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء .
الوجه الثاني انّ العاليات اشرف من السّافلات بما لا يتقايس ، والأشرف لا يقاسى