ضرورة أو نظرا ، كما عرفت . لان العلّة سابقة على المعلول بالوجود ، إذ ما لم تكن لها وجود لا يمكنها ايجاد غيرها . لان الايجاد إفاضة الوجود ، ومتى لم يكن لشئ ما وجود ، كيف يجود بالإفاضة على الغير ما ليس له . وهذا المحال معلومة بداهة دون ملاحظة العقل إلى الحدّ الأوسط . فلو كان الحاوي علّة له ، لكان متقدّما عليه . فيجوز عدم المحوى المعلول مع علته الحاوية له . لكن عدم (
b
86 ) المحوى والخلاء ممّا يتلازمان معا ، فيجوز وجود الخلاء ، لكونه مع عدم المحوى الجائز وجوده مع علّته . لكن وجود الخلاء محال غير جائز ، فبطل اذن كون الحاوي علّة للمحوى .
واما عكسه ، فلما عرفت ان الحاوي اشرف من محوّيه وأعظم ، والأشرف الأعظم لا يكون معلول الاخسّ الأحقر وهذا ظاهر .
البرهان السّابع حركاتها
البرهان السّابع حركاتها من جهة انّها دائمة غير منصرمة ، الّا ما شاء اللّه ، كما عرفت ، دليل على وجود موجود ممدّ لها ، كيلا ينصرم ، وهو العقول . وعلى الجملة عالم الجسم وعالم الأنفس تحت تصرّف العقول ، وفي يد قهرها وايجادها ، بل كلا العالمين متلاش مضمحل في لجج أنوارها ، مغمور مطموس في عباب أضوائها وآثارها . كما قال اللّه ، تعالى :
« وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ »
. هذا في حق الاجرام العالية . وامّا في شأن الصّور ( م 57 ر ) والمواليد الكائنة ، فقال :
« أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً »
(
a
87 ) فدلت الآيتان بصراحتهما على انّ السّماء مبنىّ بالأيد الّتي هي العقول .
وزعم الظّاهريّون من المفسّرين الأيد هاهنا القوّة ، لا جمع اليد .
ولا منافاة بين ما ذكرناه من التّحقيق وبين ما ذكروه من الظاهر ، لان اليد عبارة عما به إفاضة الخير على الغير ، سواء كان عضوا ( 38 پ ) مركّبا من عظم ولحم وجلد وغيرها ، أو جوهرا حيّا عالما قادرا ، كما يقال الوزير يد السلطان ، اى هو واسطة فيضه على من سواه . واليد بمعنى العضو المركب المائت الجامد العفن الفاسد في حق اللّه محال ، وبمعنى الجوهر الناطق الروحاني جائز . فنحن سمّيناه عقولا مجرّدة ، كما سمّاه الشرع ملكا مقرّبا . فان احبّوا تسميتها بالقوّة فلا مشاجرة في العبارات بعد الاتفاق على وحدة المعنى ، لانّ معنى العقل ومعنى القوّة واحد ، وهو واسطة الانعام على النبات والانعام ، إذ هي