تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
فإنّه لا يجوز أن يقال : إنّ الواحد نصف الاثنين في هذه السّنة أو في هذه البلدة ، ولا في غيرهما من الأزمنة والأمكنة . فليتأمل أنّ مثل هذا الحكم الّذي يحتاج إلى شئ يتصوّر بهذا العلم في نفس الأمر ، لا يمكن أن يختصّ بزمان أو مكان متعينين ؛ فكيف يجوز أن يختصّ المتصوّر به بهما ؛ وكيف يختصّ مبدع الأزمنة والأمكنة بزمان أو مكان هما متأخّران عنه في الوجود بمراتب كثيرة . وإذ يمتنع اختصاصه بالأزمنة والأمكنة المتعيّنة فكيف يتصوّر الإشارة منه إلى زمان أو مكان متعيّنين . وإذا عرفت ذلك من طريق العقل ، وصدّقت به ؛ فإن أبى وهمك توهّم ذلك ، فعليك أن لا تقدح في الحكم العقليّ ، بسبب امتناع الوهم عن قبول حكم ليس من شأنه أن يحكم به . ولنورد لذلك مثالا ، وإن كان بعيدا عنه ، وهو أن نفرض سجلّا مكتوبا ، يشتمل كتابته على سطور ، فيها كلمات متألّفة من حروف ؛ فالسالم بجميع ما في السّجلّ من السّطور والكتاب والحروف دفعة ، يكون عالما بما فيه على وجه . والنّاظر فيه الّذي ينتقل نظره من سطر إلى سطر ، بل من كلمة إلى كلمة ومن حرف إلى حرف ، بحيث يكون بعض السّطور والكلمات والحروف ممّا عليه ، وبعضها ممّا يمرّ عليه من بعد ؛ يكون عالما بما فيه على وجه جزئيّ ، مشتمل على ما خرج إلى الفعل ، وعلى ما هو بالقوّة بعد ؛ فليتأمّل فيه وليحكم بما يقتضيه العقل الصّريح ، دون الوهم والخيال ، إن شاء اللّه . فهذا ما فهمته من قولهم : « علم المبدأ الأوّل بالجزئيّات يكون على وجه كلّيّ ، لا على وجه جزئيّ زمانيّ » . وذلك ما أردت إيراده ، في جواب سؤالي مولانا ، العالم المحقق ، فخر الملّة والدّين ، شمس الإسلام والمسلمين ، قدوة العلماء المحققين ، سيّد أفاضل المتأخّرين ، قاضى القضاة - أدام اللّه علوّه وحرس مجده - ، فإن طابق مراده فهو المطلوب ، وإن توقّف في شئ من ذلك أعاد بفضله ذلك الموضع ، لأوضح ما عنى فيه إن شاء اللّه تعالى . وهو وليّ التّوفيق والملهم للصّواب ، منه المبدأ وإليه المآب . فرغ من كتابة مسودّته ، في ذي القعدة ، سنة ستّة وستيّن وستّ مائة ( 666 ) هجريّة ، حامدا ومصلّيا مسلّما وداعيا مستغفرا .
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 46 | خواجه نصير الدين الطوسي