كذلك الخيرات أيضا تترتّب إلى أن تنتهى في جانب النّقصان إلى ما يتعرّى عن الخيريّة بالفعل . وبعد ذلك تترتّب الشّرور ، فما لا خير فيه بالفعل ولا شرّ فيه بالفعل خير ممّا فيه شرّ ، وما فيه شرّ أقلّ خير ممّا فيه شرّ أكثر ، إلى أن ينتهى إلى ما هو شرّ من جميع الجهات لذاته ، ولا خير فيه ، لا بالفعل ولا بالقوّة ، وهو الممتنع ، ولا وجود له إلّا في الذّهن .
فإذا ثبت هذا فنقول : الحكمة الإلهيّة أودعت في طبائع كلّ ما في المراتب [ 173 ] المذكورة محبّة للكمال ، فإن كان واجدا لكلّ كمال يليق به ويمكن أن يحصل له كان عاشقا لذلك الكمال ، وإن لم يكن واجدا له كان مشتاقا إليه طالبا له .
والشّوق يتركّب من لذّة من حيث إدراك المشتاق إليه الّذي هو أثر من الوصول ، ومن ألم من حيث إدراك فقدان حقيقته الّتي [ حصولها له هو ] عين إدراكه أتمّ يكون عشقه أو شوقه أوفر .
والذّوات البسيطة المفارقة يكون عشقها وشوقها بحسب ما تقتضيه تعقّلاتها فقط . وأمّا المركّبات ، كالإنسان الّذي فيه قوى مختلفة حسّيّة وخياليّة ووهميّة وشهويّة وغضبيّة . فإذا غلب عليه انجذاب نفسه إلى بعض قواه استتبع ذلك البعض سائر القوى . ولذلك يستخدم [ شهوة قوم ] مثلا عقولهم ، ويستخدم عقول بعضهم سائر قواهم . وإذا انجذب بعض قوى مثل هذا الموجود إلى جانب طلبا لشئ وشوقا إليه ، كان انجذابه وطلبه أكثر ممّا كان يقتضيه تلك القوّة حالة تجرّدها ، وذلك لمساعدة سائر القوى المنجذبة معها إيّاها في ذلك ، فيحصل فيه كيفيّة نفسانيّة تسمّى بالحرص والهلع . ولذلك قيل في الكتاب العزيز الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه : « إنّ الإنسان خلق هلوعا » ( المعارج / 19 ) . ولعلّ الاستثناء الوارد بعده يكون بسبب المنع والجزع ، لا بسبب الهلع .
وبالجملة إذا انبعثت نفوس الأخيار إلى طلب الكمالات اشتاقت [ 173 پ ] إليها شوقا عظيما . أمّا لذّة الشّوق الّذي يتبع الإدراك العقليّ فما يزيد على ما كان للبسائط .
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 21
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٢١