وأمّا ألمه فيزيد لوجود الحرص على الحرص مع الحرمان . وبحسب الانجذاب الّذي يزيد على ما يقتضيه عقله يزيد ألمه على لذّته ، فيشتكى من التألّم الّذي هو شرّ عنه ، وذلك التّشكّي هو جزعه من مسيس الشّرّ .
والأنبياء - عليهم السّلام - لمّا كانوا منبعثين إلى كمال ذواتهم النّاقصة بالقياس إلى الكامل بذاته ، واستكمال غيرهم من الذّوات المترتّبة دونهم في المراتب القريبة والبعيدة ، كان تألّمهم وتأذّيهم بسبب فوات مطالبهم أكثر من تألّم غيرهم وتأذّيهم .
وإذا تمنّى متألم عدمه كان ذلك بسبب أنّ عدم الخير أثر من وجود الشّرّ ، كما مرّ .
وذلك لا يكون في جميع الأحوال بل يكون عند ملاحظة الألم لا غير ، وهو الجزع الّذي يتحفّظ عنه أهل الكمال بالصبر ، وأمّا عند ملاحظة الخيرات الحاصلة والمرجوّة له ، فيكون عبدا شكورا مغتبطا مبتهجا بتلك الخيرات . وتمنّى العدم ليس بمحال ، لأنّه لا يطلب من العدم راحة ولذّة أو كمالا يصل إليه حال عدمه ، بل إنّما يطلب الخلاص من الألم فقط ، وكلّ من لا يعرف طريقا يتخلّص به عن ألم شديد يجده طلب عدمه ، لينعدم تألّمه ، كما حكى عن المعذّبين بأنّهم يقولون :
« يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً »
( النبأ / 40 ) و :
« يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ »
. ( الحاقّة / 27 ) .
ومذاهب النّفوس في التّمنّى مختلفة ، وذلك أنّ بعضها يتحمّل ألما كثيرا للذّة قليلة ، وبعضها لا يتحمّل ألما قليلا للذّة كثيرة وقد روى عن النّبى - صلى اللّه عليه وآله - أنّه قال ما معناه : « إنّى ما أحبّ أن يكون لي ذهب أو فضّة بقدر جبل أحد ، وانفقها في سبيل اللّه في يوم إلى أن أرجع إلى بيتي . وما بقي معي منه شئ أشترى به بلغة أهلي في ذلك اليوم » . قيل له : ولم ، يا رسول اللّه : قال : « لئلا يكون علي حسابه » . فهو - صلّى اللّه عليه وآله - اختار عدم ألم الحساب على لذّة وجود الثّواب في الشّىء المجازىّ . وأمّا في الخير الحقيقىّ فلا يمكن أن يختار النّبىّ عليه شيئا أصلا .
وأمّا التعجّب من مثل هذا التّمنّى ممّن لا يشغل سرّه ولا لسانه بما لا يعنيه ليس بواجب ، لأنّه ربّما كان ذلك ممّا لا يعنيه ، وذلك لأنّ التأوّه والتّشكّى في بعض