وجماعة من المحصّلين قالوا : إنّ هذا الحكم أوّليّ يحكم به بديهة العقل . وإذا عدم هذا الإنسان فلم يبق شئ . فأيّ شيء يقال له : إنّ عدمه خير له .
[ وقال جماعة : لو كان هذا المتعذّب معدوما كان خيرا له . ] فكيف يحكم بديهة العقل بأنّ ما ليس بموجود له شئ هو خير له . وهو كونه غير موجود . ولو شرّفنا مولانا تبيان الحال في هذا .
صورة جواب كتب مولانا نصير الدّين منقولة ممّا نقل عن خطّه وقفت على ما ذكر الولد العالم الفطن النّحرير بهاء الدّين ، أكيس الأقران ، قدوة الأفاضل والعلماء - أدام اللّه فضله وطوّل عمره - والتمس أن أودّي له ما عندي فيه ، فأقول ، وبالله التّوفيق :
إنّ ما نقله عن الحكماء فهو كما قاله . وينبغي أن يفهم منه أنّ الخير لمّا فسّر بالوجود مأخوذا مع اعتبار تماميّة أو صلاحية ، كان منقسما ، كالوجود ، إلى ما هو خير لذاته ، وإلى ما هو خير لا لذاته ؛ والخير لذاته هو الأحد الحقّ الّذي هو وجود قائم بذاته ، تامّ بنفسه ، وما عداه فخيريّته من غيره .
وبعبارة أخرى : الخير إمّا حقيقيّ وإمّا إضافيّ ، والحقيقيّ واحد لا غير ، والإضافيّ مترتّب في الخيريّة ، كالموجودات . فكلّ ما فيه الخيريّة أكثر فهو خير ممّا فيه الخيريّة أقلّ .
كما أنّ ما وجوده وأكثر كمالاته بالفعل يكون هو أحقّ بالوجود ممّا يكون ذلك له بالقوّة ، وكلّ ما فيه ما بالقوّة أقلّ فهو أولى بالوجود ممّا فيه ما بالقوّة أكثر . وعلى هذا [ إلى ] أن تنتهى مراتب الوجود في جانب النّقصان إلى ما لا يكون له حصّة في الوجود ويكون من جميع الجهات بالقوّة .
ثمّ يترتّب ما يكون وجوده وكمالاته بالقوّة ، فيكون ما هو بقوّة أقرب إلى الفعل أولى بالوجود ممّا يكون بقوّة أبعد من الفعل ، وينتهى في هذا الجانب أيضا إلى ما يمتنع وجوده بذاته ، ولا يكون له ثبوت إلّا في التّصوّر الذّهنيّ .
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 20
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٢٠