الأحوال يعقبان راحة ما من بعض الآلام ، وذلك شئ يجرّبه المرضى والمعذّبون . أمّا التأوّه فلخروج ما يجتمع في باطنه من الدّخان الحاصل من إحراق الجوهر الحارّ المجتمع في الباطن بسبب الحزن لمادّة روحه الحيوانيّة . وأمّا التّشكّى فلما فيه ، من توهّم نوع ما من الانتصار والانتصاف . وهما - أعنى التّأوّه والتّشكى - مباحان في أكثر الأحوال .
والأنبياء ، عليهم السّلام ، كثيرا ما يقدمون على المباحات ، وإن كان الإقدام على الطاعات أولى منها في ذلك الوقت ، فإنّ العصمة من الذّنوب لا ينافي ترك الأولى ، ولذلك أوّل القائلون بتنزيههم عن الذّنوب - صغائر كانت أو كبائر - ما ينسب إليهم من الذّنوب بتركهم الأولى واستغفارهم من الذّنوب [ 173 ب ] بندامتهم على ذلك .
وأمّا قول العوامّ للمتألم : « لو لم يوجد لكان خيرا له » ، معناه : أنّ المفروض متألما لو لم يكن موجودا أصلا حتّى لا يتألّم لكان خيرا له من كونه موجودا متألّما ، لأنّ عدم الألم خير من وجوده .
وأمّا نسبة الخيريّة إليه حال عدمه في قولهم : « خيرا له » فهو بحسب التّوهّم ، لا بحسب العقل . وذلك أنّ الوهم ربّما حسب أنّ الميّت يلتذّ بعد موته بوجود ذكر صالح له ، بسبب ولد رشيد ، أو خير جار أو ما يشبه ذلك . فكأنّهم يتوهّمون أنفسهم مدركين لتلك اللّذة بعد موتهم ، كذلك يحسب الوهم هاهنا أنّ المتألّم حال عدمه مستريح من ألمه ، ولا يرجع إلى العقل الحاكم بمنافاة الوجود للعدم ، كالحكم بمنافاة الموت للإدراك . وذلك وأمثاله من الأحكام الكاذبة الوهميّة .
فحاصل البحث ، بعد تحقيق هذه المباحث ، أنّ قول القائل : « عدم المتألم له خير من وجوده » . قضيّة وهميّة كاذبة ؛ فإن قال : « عدم المتألم مطلقا خير من وجوده » صارت القضيّة ظنيّة كاذبة . وذلك أنّ ذلك القائل إنّما حكم بذلك لشهادة عقله بأنّ عدم الخير خير من وجود الشّرّ ، وعدم علمه بما في المتألم من الخيرات الموجودة بالفعل والقوّة ولو كان عارفا بما في المتألم من الخيرات بالفعل والقوّة وكونها راجحة
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 23
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٢٣