فتوقّف فيه أو ردّه ، فذلك راجع إلى خواصّ تقييدات صاحب النّظر الفكرىّ وانحصاره تحت أحكام إدراكاته الجزئيّة وتناهى قابليّاتها ؛ بخلاف حال المكاشف ، فإنّه خلص عن حبوس القيود وخواصّ قابليّاته الموصوفة بالتّناهى . فأدرك الأشياء بمطلق ذاته تارة ، وبربّه تارة ، وبهما معا ، وعلى الوجه المنبّه عليه من قبل في أعلى مراتب تجريد الأشياء ، التّجريد الوجوديّ والإطلاق الأصليّ ، وصاحب النّظر ، وإن أدرك بعض ما أدركه المكاشف الخارج من الحبوس المذكورة ، فإنّما يدرك ذلك البعض في المراتب المقيّدة لتلك الحقائق ، فيكون إدراكه لها بحسب تعيّن تلك الحقائق في مراتب غربتها ، وما عرض لها من القيود في تلك المراتب [ 57 ، ب ] لم يدركها في مراتب تجريدها الأتمّ الأعلى ووطنها الحقيقيّ الّذي هو الحضرة العلميّة الإلهيّة المشار إليها من قبل .
( 17 ) وتقرير ما ذكرنا وسرّه : هو أنّ النّفوس الجزئيّة ، لمّا كان تعيّنها بعد المزاج وبحسبه ، على ما هو مذهب المحقّقين من أهل الذّوق والحكمة ، صار كأنّ في المزاج معنى يصحّ وصفه بالمرآتيّة ، بمعنى كأنّ النّفس انطبعت فيه ، فعبّر عن ذلك الانطباع « بالتعلّق التّدبيريّ » .
وأيضا فلمّا كان الموجب لاجتماع الأجزاء المزاجيّة آثار القوى العلويّة وخواصّ الاتّصالات الكوكبيّة والتّشكّلات والحركات الفلكيّة وتوجّهات نفوسها وعقولها العليّة ، وكان قبول الأمزجة لتلك القوى والآثار قبولا متفاوتا ، ثم استعدّ بما قبله بحسب استعداداتها الأصليّة ؛ كان المزاج كالمرأة لتلك القوى وآثاره أوّلا ، وانطبع فيه منها أن يكون مرآة لقبول نفس جزئيّة تعيّنت به وبحسبه .
ولا شكّ بأنّ الأمزجة الإنسانيّة ، وإن كانت واقعة في عرض واحد ، فإنّها عظيمة التّفاوت في القرب والبعد من درجات الاعتدال . ولذلك تفاوتت النّفوس في النّوريّة والجوهريّة والشّرف وغير ذلك من صفات الكمال .
ولزم أيضا أن لا تخلو النّفوس في تعقّلاتها وتصوّراتها من خواصّ المزاج الّذي هو سبب تعيّنها ، وسيّما لما يوجبه الارتباط والتعلّق التّدبيريّ ، وإن لم تكن النّفس
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 253
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٢٥٣