الطرفين ، أعنى جهة الوجوب وجهة الإمكان ، ممازجات معنوّية وغلبة ومغلوبيّة ، بتلك الغلبة والمغلوبيّة يظهر التّفاوت بين الموجودات في الشّرف والخساسة والشّقاء والسّعادة ، والعلم والجهل ، والبقاء والفناء ، وغير ذلك من صفات النّقص وصفات الكمال .
( 15 ) فالقرب من جنات الحقّ لكلّ من كانت أحكام الوجوب فيه أقوى وأتمّ وأغلب ، وصفات النّقص والبعد ولوازمها حيث تتضاعف فيه وجوه الإمكان وأحكامها ، وتظهر غلبتها على أحكام الوجوب ، ومحتد أحكام الوجوب وحدانيّة الحقّ بالتّفسير المذكور ، ومحتد أحكام النّقص الكثرة والإمكان ، وتضاعف وجوه الإمكان ينتشئ من خواصّ إمكانات الوسائط الثّابتة بين الحقّ وبين ما وجوده عن الحقّ متوقّف على جملة من الوسائط ، فتفاوت الشّرف من هذا الوجه هو بحسب قلّة الوسائط ، لعدم تغيّر الفيض الذّاتيّ عن تقديسه الأصليّ ، والنّزول عن هذا الشّرف بعكس ذلك ، وثمّة برزخيّة وسطيّة اعتداليّة جامعة بين الطرفين ، مشتملة بالذّات على كلّيّات أحكام الوجوب والإمكان ، اشتمالا معتدلا فعليّا من وجه ، انفعاليّا من وجه آخر ، لا يغاير الطرفين إلّا بمعقولية جمعها بينهما ، وهي الحقيقة الإنسانيّة الكماليّة الإلهيّة ، فإنّها كالمرآة للطرفين .
فمن تعيّنت مرتبته بالعناية والاستحقاق الذّاتيّ والمناسبة [ 55 ، ب ] الحقيقيّة في هذه البرزخيّة المذكورة ، لم يتميّز في طرف الإمكان ، بل ماهيّته نفس برزخيّته وكونه مرآة للطرفين . فيرتسم فيه ، من حيث الانطباع المعنوىّ المشار اليه في آخر المعراج ، الوجود الواحد متعدّدا متنوّع الظهور بالأسماء وصور الأحوال والصّفات ، وينتشئ به بين الطرفين المذكورين سائر النّسب والإضافات ، ظهورا وإظهارا للتعدّدات الاعتباريّة والتّعقّلات المتعيّنة في وحدانيّة الحقّ من حيث نسبة علمه الأزليّ ؛ فإنّ أهل الارتسام المطابق ، علومهم علوم انفعاليّة لمضاف إليه الارتسام عند المحقّقين .
لكن لا أقول : إنّ الارتسام في ذات صاحب هذه البرزخيّة المذكورة هو ارتسام مطابق لارتسام الأشياء في نفس الحقّ من حيث نسبة علمه الذّاتىّ الأزلىّ ؛ فإنّ أهل
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 250
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٢٥٠