على أنّ مراده - قدّس اللّه نفسه الزّكيّة - من ذلك ، التّمثيل بما لوّح الدّاعى بذكره ، ما أكّده في موضع آخر ، وهو قوله :
« الإنسان لا يعرف حقيقة الشّىء البتة ، لأنّ مبدأ معرفته الأشياء هو الحسّ ، ثمّ يميّز عقله بين المتشابهات والمتباينات ، ويعرف حينئذ بعض لوازم الشّىء وأفعاله وتأثيراته وخواصّه ، فيتدرّج بذلك إلى معرفته معرفة مجملة غير محقّقة ، وربّما لم يعرف من لوازمه إلّا البعض . ولو قيل : إنّه عرف أكثرها ، لكنّه ليس يلزم أن يعرف لوازمه كلّها . فلو كان يعرف حقيقة الشّىء وكان ينحدر من معرفة حقيقته إلى معرفته لوازمه وخواصّه ، لكان يجب أن يعرف لوازمه وخواصّه أجمع . لكن معرفته ، بالعكس ممّا يجب أن يكون عليه . » « 1 »
( 14 ) وممّا ذكره ، ممّا هو موافق من وجه [ 54 ، ألف ] لمذهب المحققين ، أن قال :
« العلم هو حصول صور المعلومات في النّفس » . ثمّ قال : « وصور الموجودات مرتسمة في ذات الباري ، إذ هي معلومات له ، وعلمه بها سبب وجودها » ، والمحقّقون من أهل الذّوق يقولون : « الحقّ علم نفسه بنفسه ، وعلم العالم من عين علمه بنفسه ، وأوجده على نحو ما علمه » .
والاقتضاء الإيجادىّ ينضاف إلى الحقّ على ثلاثة أنحاء : اقتضاء ذاتيّ ، لا يتوقّف حكمه على شرط أصلا . واقتضاء آخر ، ظهوره متوقّف على شرط واحد ، وذلك الشّرط هو العقل الأوّل . واقتضاء ثالث ، ظهور آثاره موقوف على شروط . وليس هذا بمعنى أنّ ثمّة اقتضاءات ثلاثة مختلفة ، بل هو اقتضاء واحد لثلاث مراتب .
فالماهيّات هي التي قلنا : إنّها عبارة عن صور التّعقّلات المتعدّدة الإلهيّة المتعيّنة في النّسبة العلميّة ونتائجها ، وبها تعدّد مطلق الفيض الوجوديّ الإيجادىّ بآثار خصوصيّاتها القاضية بتميّز كلّ منها عن الآخر ، فيدرك الفيض الوجودىّ الواحد
هامش
( 1 ) ابن سينا ، التعليقات ، ص 82 .